الإعلامى محمد جراح يكتب: إذاعة الشباب والرياضة وطبيعة الشباب المصريفي السنوات التي سبقت حرب أكتوبر (2)
مرحلة الشباب هي مرحلة تملؤها العواصف والأنواء؛ وهي المرحلة التي يسكنها التوتر والقلق؛ وتكتنفها الأزمات النفسية؛ وتسودها المعاناة؛ والصراع؛ والضغوط الاجتماعية؛ وصعوبات التوافق؛ ومن أجل ذلك وغيره تبذل كل حكومات العالم جهودها للعناية بشبابها وإعدادهم الإعداد الجيد؛ لأنهم هم زادها ورجالها إلى المستقبل الواعد الذي تنشده؛ وهكذا كان الحال في مصر بضرورة وأهمية الانتباه إلى الشباب؛ ومد يد الرعاية اللائقة إليهم باعتبارهم الأمل في زمنها؛ والزاد في كل وقت.
ومما لا شك فيه أن الشباب المصري وخصوصاً في الفترة من بعد نكسة عام 1967م وحتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970م؛ ثم في الفترة التي تولى فيها الرئيس"السادات" المسئولية اعتباراً من أواخر عام 1970م وقبيل حرب أكتوبر المجيدة عام 1973م كان ثائراً وناقماً وناقداً للأوضاع القائمة؛ ولا يتورع في التعبير عن رفضه للهزيمة؛ وللواقع الذي يراه مهيناً ولا يليق بأمته، ولا يراه مقابلاً أو جزاء عادلاً لنضالها. كانت المرارة تسكن الجميع؛ وكان الشباب هم الأجرأ تعبيراً؛ فكان الاحتجاج وسيلة بليغة؛ سواء أجاء هذا الاحتجاج من خلال المظاهرات؛ أو الندوات؛ أو الاجتماعات؛ أو حتى من خلال الكتابات الإبداعية في شتى صورها؛ واستمر ذلك الغضب؛ بل وتصاعد دخانه بعد رحيل عبد الناصر؛ وصعود "السادات" إلى سدة الحكم في أواخر عام 1970م.
وقد أشارت العديد من الدراسات إلى أن الشباب المصري كان خلال تلك السنوات يجاهد في طرد اليأس الذي يحاول أن يثنيه عن أهدافه؛ ويكافح من أجل كرامة وطنه التي تبعثرت، وكرامته هو التي أهينت على الرغم من تلال المشاكل التي كانت تحاصره من كل ناحية. وإذا عُد الثأر من العدو عاملاً من عوامل تأجيل المواجهة مع الدولة التي أهملت في حق أبنائها؛ فإن الظرف قد تغير بعد الحرب وما تحقق فيها من انتصار. كانت المشاكل كثيرة؛ وكان التحدي عظيماً؛ وربما أيقن المسئولون ذلك فاستبقت الدولة الخطى بما تحت يديها من إمكانيات متاحة حتى لا تقع المواجهة؛ وتصبح واقعاً قد تنقلب فيه الأمور رأساً على عقب.
كانت المشاكل القائمة وقتذاك جمة؛ ومنها على سبيل المثال: مشكلة عدم كفاية الخدمات العامة المقدمة بشكل مناسب سواء للشباب أو لغيرهم من فئات المجتمع؛ ومشكلة عدم الشعور بالأمان النفسي؛ والشعور بالخوف من المستقبل؛ ومشكلة عدم وفاء التعليم باحتياجاتهم المادية وهو يستعدون لبناء ذواتهم؛ وترتيباً على الوضع المالي المتدهور؛ يأتي موضوع عدم القدرة على بناء بيت جديد؛ ومن ثم الإقدام على الزواج؛ واستئناف حياة جديدة في إطار التطور المجتمعي وسنة الله في الكون.
وقد يكون للظروف التي مرت بها البلاد خصوصاً في عقد الستينيات وتحدياته الكثيرة، أو عقد السبعينيات بتداعياته الاجتماعية؛ والاقتصادية؛ بل والسياسية الخطيرة أكبر الأثر في تنامي وتعاظم أوجه القصور في إعداد الشباب والاهتمام بهم؛ فقد رأى البعض أن الدولة لم تهتم بالشباب كما يجب؛ ولم تقم بإعدادهم بالشكل اللائق؛ بل ونظروا وقتها إلى موضوع التعيين في الوظائف الحكومية لمختلف الخريجين عن طريق وزارة القوى العاملة ورأوه أنه لم يعد أملاً بعد أن تدهورت الأحوال الاقتصادية؛ وارتفعت الأسعار أو اشتعلت كما وصفها البعض للتعبير عن عظيم استيائه من الأوضاع القائمة؛ حتى دخل كبار الموظفين الحكوميين ضمن شريحة الفقراء المعوزين؛ فكيف إذن سيكون الحال مع مرتبات الشباب التي لم تكن تكفي أياً من أوجه المعيشة في أدنى مستوياتها، فالمرتب الشامل لخريج الجامعة لم يزد على بضع وعشرين جنيهاً كان هزيلاً أمام متطلبات الملبس؛ أو المأكل؛ أو حتى المواصلات الآدمية اللائقة؛ وأصبح هؤلاء الخريجون الذين كانوا يتزايدون عاماً بعد آخر كماً وأرقاماً في معادلة البطالة المقنعة في وظائف غير منتجة وبعيدة عن تخصصاتهم التي درسوها؛ ولم توظف طاقاتهم التوظيف المناسب بما يجعلهم قوة تبني الذات؛ وتساهم في بناء الوطن!
وقد ترتب على طغيان المادة أن ضعفت القيم؛ وتحكمت المصلحة في العلاقات بين الأشخاص؛ فتفاقمت المشكلات الاقتصادية؛ والاجتماعية؛ والقيمية التي تؤثر في تربية الفرد، ورسم طبيعة شخصيته، وقدرته على مواجهة وحل المشكلات التي يتعرض لها.
وتجدر الإشارة إلى أن «السادات» انتهج بعد الحرب سياسة "الانفتاح الاقتصادي" فقام بتغيير التوجه المالي للدولة من "الاشتراكية" إلى "الرأسمالية والاقتصاد الحر"، وأدى تطبيق هذه السياسة بالشكل الذي طبقت به إلى وقوع اضطرابات كثيرة في البلاد بعد ارتفاع الأسعار بشكل جنوني؛ وزيادة معدلات البطالة بشكل غير مسبوق. وتدهور مستوى الطبقة الوسطى وهبوطها إلى مستوى الطبقات الفقيرة والمعوزة؛ وأصبح المجتمع منذ ذلك التاريخ عبارة عن طبقتين فقط؛ طبقة غنية تمتلك كل شيء؛ وطبقة فقيرة تجاهد في سبيل العيش الكريم والقبض على حياة لائقة؛ ومن دونهما طبقة المعدمين الذين قد لا يجدون قوت يومهم!.
كان الحال في الفترة التي أعقبت نكسة يونية من عام 1967م وفي السنوات التي تولى فيها "السادات" المسئولية قبل حرب أكتوبر من عام 1973م عبارة عن مظاهرات في الجامعات؛ واحتقان في المجتمع؛ وبدا الرئيس بين مطرقة وسندان؛ فالمجتمع بكافة طوائفه يشعر بالمهانة؛ ولا يكف عن المطالبة بالثأر؛ والشباب متمرد على الوعود والتصريحات؛ والحرب التي ينتظرها الجميع تلزمها كلفة كبيرة حتى لو تحقق فيها النصر؛ وإسرائيل على الجانب الآخر ومن ورائها حلفاؤها وتحت أيديها ترسانة من أحدث الأسلحة التي لا يمل الغرب عن تزويدها بها ليضمنوا تفوقاً قتالياً لها على كل الجيوش العربية إذا ما توحدت في يوم ما واشتبكت معها في حرب؛ كان الإحباط يخيم على الآفاق في ظل تصريحات الرئيس "السادات" ومصطلحاته الجديدة التي كان يضمنها خطبه إلى الشعب مثل مصطلحات عام "الضباب"؛ وعام "الردع"؛ وعام "الحسم" وغيرها من المسميات التي حملتها جميعاً خطبه في تلك السنوات العصيبة؛ ناهيك عن تآمر مساعديه عليه في الفترة المبكرة من بداية حكمه؛ حتى تمكن منهم وأسكنهم جميعاً السجون بعد حركة مايو عام 1971م أو ثورة التصحيح كما كان يحلو له أن يسميها؛ ولم يكن أحد على بينة من الأمر بخصوص أولئك النفر من المسئولين الذين قبض عليهم السادات؛ هل كانوا بالفعل بمثابة مراكز قوى رأت في نفسها الأهلية؛ واستكثرت عليه أن يكون رئيساً؛ أم أن السادات شعر بضعفه أمام كثرتهم وتوحدهم ضده؛ وعصيانهم له؛ فسعى إلى التخلص منهم حتى يستطيع أن يقود البلاد؟!.
كانت الظروف كلها في غاية الصعوبة؛ وربما نبه ذلك المسئولين في الدولة إلى المسارعة ببحث واقتراح وتنفيذ الخطط المبتكرة
أكثر من نصف العدد الإجمالي للسكان بما يدل عليه ذلك الرقم من معان كبيرة وكثيرة؛ وإذا كان البعض قد رأى أن مرحلة الشباب تبدأ عندما يحاول الشاب المشاركة في البناء والتأهل لتولي مكانته الاجتماعية؛ فإن آخرين قد حاروا في تحديد بداية مرحلة الشباب مثلما اختلفوا في تحديد نهايتها؛ وإن كان من المتعارف عليه أنها مرحلة تبدأ بعد انتهاء مرحلة الطفولة وتنتهي باكتمال الرجولة والدخول إلى مرحلة الكهولة؛ وقد حاروا وهم يبحثون في أي سن تنتهي مرحلة الطفولة؛ وفي أي سن تنتهي مرحلة الشباب؟؛ ومن ثم رأى آخرون أن الشخصية تظل شابة طالما أن مراحل نموها لم تكتمل بعد؛ كما يرى علماء النفس أن بداية ونهاية المرحلة يرتبط بمدى اكتمال البناء النفسي للفرد بحيث تشير هذه المواءمة إلى امتلاك الشخص لبناء دافعي متكامل يمكنه من التفاعل السوي في البناء الاجتماعي، وهناك من يوسع المدى الزمني لهذه المرحلة فيمدها حتى سن الأربعين؛ وذلك على أساس أن قمة عطاء الفرد تكون في الفترة العمرية ما بين العشرين والأربعين. وكانت هذه الخطط سابقة على حرب أكتوبر؛ ولكنها لم تنفذ تقريباً إلا بعد انتهاء الحرب وتحقيق النصر؛ وانتشار الروح الإيجابية بعد أن كان اليأس هو الذي يسكن الأجواء من قبل.
وبعيداً عن المسار السياسي؛ ومفاوضات فض الاشتباك مع العدو التي بدأت بعد انتهاء العمليات العسكرية؛ فقد بدأت الأجهزة المعنية في الدولة خطط الإصلاح. والتنمية وإصلاح البنى التحتية المتهالكة؛ خصوصاً وأن "السادات" صرح غير مرة بأن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب؛ وأننا هزمنا من قبل في معركة؛ ولكننا أبداً لم نخسر الحرب.
ومع الدفع بخطط النهوض بالشباب برزت إلى السطح فكرة إطلاق إذاعة تكون ناطقة بلسان حالهم؛ ولم يكن هناك أفضل من يوم السادس من أكتوبر بما يمثله من معان كبيرة لتنطلق فيه تلك الإذاعة؛ لكن للأسف سبق إطلاق الإذاعة التحول إلى سياسة الانفتاح؛ واقتصاد السوق؛ وبدلاً من الأمل الذي كان يسكن الجميع حل الخوف قريناً للجميع كباراً وشباباً، وغول الغلاء يطارد كل الشرفاء على امتداد رقعة الوطن.
يتبع












لـ27 أكتوبر.. تأجيل نظر دعوى زينة ضد أحمد عز بشأن متجمد أجر...
شاب يقتل مسنة ويشعل النار في مسكنها ويقفز من الشقة بمصر القديمة
مصرع سيدة سقطت من أعلى عقار سكنى في التجمع
اليوم..أولى جلسات استئناف حكم إعدام متهم بخطف فتاة من ذوي الإعاقة
أسعار الذهب اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026.. وعيار 21 بـ6340 جنيهًا
سعر الذهب اليوم في مصر الاثنين 14 سبتمبر 2026.. عيار 21 يسجل...
سعر الدولار اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 فى مصر
أسعار العملات الأجنبية اليوم الجمعة فى مواجهة الجنيه المصري