الأربعاء 7 أكتوبر 2026 08:16 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

طاهر إدريس يكتب : 6 أكتوبر.. عندما انتصر العقل المصري قبل السلاح

الكاتب الكبير طاهر إدريس
الكاتب الكبير طاهر إدريس

الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر يوم السبت العاشر من رمضان.
 حيث الشوارع خالية في تل أبيب إسرائيل تحتفل بعيد الغفران أقدس أعيادها والجنود على الجبهة يسترخون في نفس اللحظة 220 طائرة مصرية تعبر قناة السويس على ارتفاع منخفض لتبدأ 81 دقيقة قلبت موازين العالم لم يكن هذا مجرد هجوم عسكري بل كان إعلاناً بأن العقل المصري قد انتصر قبل أن تنطلق أول رصاصة.
إننا نتذكر أكتوبر كحرب لكن الحقيقة أن الحرب كانت آخر فصل في رواية عبقرية اسمها "الخداع والتخطيط".
 الحرب التي كسبناها قبل أن نحارب
إسرائيل لم تهزم يوم 6 أكتوبر فحسب هي هزمت قبلها بشهور طويلة.
مصر أعلنت عن تسريح مجموعة من الجنود فتحت باب العمرة للضباط، نشرت أخباراً عن نقص قطع الغيار، بل وسربت خبراً عن زيارة وزير الدفاع الروماني والأهم اختارت يوم عيد الغفران، اليوم الذي تتوقف فيه الحياة تماماً في إسرائيل، وتختار شهر رمضان حيث يظن العدو أن المسلمين لن يحاربوا وهم صيام.
لقد بعنا لهم الوهم حتى صدقوه فكانت المفاجأة كاملة. أكتوبر يعلمنا أن 70% من النصر هو كيف تفكر و30% فقط هو كيف تحارب.
خرطوم مياه يهدم أسطورة
كان خط بارليف هو المعجزة الهندسية التي لا تقهر في نظر العالم. ساتر ترابي بارتفاع 22 متراً بزاوية ميل 45 درجة مدعم بأنابيب نابالم تحرق القناة، وخلفه دبابات ومواقع حصينة. قال عنه الخبراء العسكريون في العالم إنه يحتاج إلى قنبلة ذرية لفتحه.
 جاء الحل من ضابط مصري ذكي وهو اللواء باقي زكي يوسف. الفكرة لم تكن صاروخاً جديداً كانت خرطوم مياه قوي مثل الذي يستخدمه رجال المطافئ.

بقوة دفع المياه انهار الساتر الترابي الذي تكلف 300 مليون دولار في ساعات قليلة. 450 مضخة مياه صنعت من المستحيل ممراً.

هنا عبقرية أكتوبر الحقيقية لا تواجه القوة بالقوة دائماً واجه التعقيد بالبساطة واجه الأسطورة بفكرة خارج الصندوق.
كثير من الجيوش تنتصر في المعركة وتخسر الحرب لكن جيل أكتوبر انتصر مرتين.

الانتصار الأول كان عسكرياً بعبور القناة وتدمير خط بارليف. والانتصار الثاني كان دبلوماسياً وسياسياً بامتياز. الرئيس السادات فهم أن هدف الحرب ليس تدمير إسرائيل، بل تحريك الجمود السياسي وإجبار العالم على أن يسمعنا.
فمن حرب أكتوبر خرجت مفاوضات الكيلو 101، ثم اتفاقية كامب ديفيد، ثم عودة سيناء كاملة بل كل شبر منها بالحرب والسلام معاً. لقد حولنا نصراً عسكرياً إلى نصر سياسي كامل.

وأهم من كل ذلك كان النصر النفسي. قبل 6 أكتوبر كانت مقولة " الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر " تدرس في الكليات العسكرية. بعد 6 أكتوبر، عرف المصري والعربي أن إرادته قادرة على كسر أي مستحيل.
إن ما يعنيه أكتوبر لنا اليوم هو أن 
جيل 1973 لم يكن يملك إنترنت  ولا إمكانياتنا اليوم. كان يملك إمكانيات أقل منا بكثير لكنه كان يملك شيئاً نفتقده أحياناً هدف واحد واضح وصبر 6 سنوات كاملة من بعد نكسة 67 حتى النصر وإيمان بأن المستحيل مجرد كلمة.

روح أكتوبر ليست ذكرى نحتفل بها مرة في السنة. روح أكتوبر هي منهج حياة. هي أن تخطط بذكاء و أن تجد حلاً بسيطاً لمشكلة معقدة وأن تعرف أن النصر الحقيقي هو أن تكمل ما بدأت حتى النهاية.

طاهر إدريس 6 أكتوبر.. عندما انتصر العقل المصري قبل الساحل الجارديان المصرية ⇧