الأربعاء 7 أكتوبر 2026 08:17 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شادى طلعت يكتب: صراعات السلطة في التاريخ الإسلامي

الكاتب والحقوقى الكبير شادى طلعت
الكاتب والحقوقى الكبير شادى طلعت

ليست ثورات الشعوب وليدة اليوم، وليست شعوب اليوم مختلفة في طبيعتها عن شعوب الأمس. 
فمنذ عرف الإنسان السلطة والحكم، عرف الاعتراض والتمرد والثورة والانقلاب، كما عرف الصراع على السلطة باسم الدين أو العدالة أو الشرعية.
لذلك فإن تصوير التاريخ الإسلامي باعتباره خالياً من الثورات والانتفاضات والانقلابات، أو القول إن المسلمين الأوائل كانوا جميعاً يرون الخروج على الحاكم أمراً محرماً لا يقترب منه، يمثل قراءة انتقائية للتاريخ. 
فالتاريخ الإسلامي يقدم أمثلة كثيرة على التمردات والصراعات المسلحة على الحكم، وقد قامت دول وسلالات كبرى على أنقاض دول إسلامية أخرى بعد حروب دامية. 

- الفتنة الكبرى والصراع على الخلافة :
في سنة 35هـ/656م اندلعت الأزمة التي انتهت بمحاصرة الخليفة الثالث عثمان بن عفان ثم قتله. 
وتختلف الروايات في أسباب الحصار وهوية المشاركين فيه، لذلك ينبغي الحذر من الجزم بكل ما ترويه المصادر المتأخرة.
لكن الحقيقة التاريخية الأساسية أن مجتمع المسلمين شهد تمرداً مسلحاً على الخليفة القائم، وأن مقتله أشعل الفتنة الكبرى الأولى. 

- بعد ذلك تولى علي بن أبي طالب الخلافة، لكن معاوية بن أبي سفيان، والي الشام وقريب عثمان، لم يبايعه مطالباً بالقصاص من قتلة الخليفة. 
وانتهى الخلاف إلى معركة صفين سنة 37هـ/657م. والأدق وصف هذه الواقعة بأنها صراع سياسي وعسكري على الشرعية وإدارة الدولة، لا مجرد (انقلاب) بالمعنى المبسط، إذ انتهت بالتحكيم وما ترتب عليه من انقسامات وحروب. 

- ثم، بعد وفاة يزيد بن معاوية سنة 64هـ/683م، رفض عبد الله بن الزبير الخضوع للأمويين، وبويع له في مكة، وامتد نفوذه إلى مناطق واسعة. 
واستمر الصراع حتى حاصر الحجاج بن يوسف مكة بأمر عبد الملك بن مروان، وانتهى بمقتل ابن الزبير سنة 73هـ/692م.
وهكذا وجد العالم الإسلامي خليفة أموياً في دمشق ومنافساً له في مكة، تتوزع بينهما أقاليم واسعة. 

- الثورة العباسية وسقوط الأمويين :
كانت الثورة العباسية من أكبر الثورات في التاريخ الإسلامي. بدأت الدعوة سرية، ثم تحولت إلى حركة سياسية وعسكرية، خصوصاً في خراسان، بقيادة أبي مسلم الخراساني سنة 129هـ/747م. 
وانتهت بسقوط الدولة الأموية سنة 132هـ/750م بعد معركة الزاب.
لم يكن انتقال السلطة سلمياً، فقد أطاحت الثورة دولة كبرى، ولاحقت عدداً كبيراً من أفراد الأسرة الأموية وأنصارها. 
ومع ذلك، فليس دقيقاً القول أن العباسيين قتلوا جميع بني أمية، إذ نجا بعضهم، وأبرزهم عبد الرحمن بن معاوية، المعروف بعبد الرحمن الداخل (صقر قريش)، الذي فر إلى الأندلس وأسس الإمارة الأموية سنة 138هـ/756م، ثم أُعلنت الخلافة الأموية في قرطبة لاحقاً سنة 316هـ/929م.
وتكشف هذه الواقعة أن الدولة العباسية نفسها قامت بثورة أطاحت بخلافة سابقة، وأن انتقال السلطة في التاريخ الإسلامي كان كثيراً ما يتم بالقوة. 

- ثورات الخوارج والعلويين والزنج :
شهد العصران الأموي والعباسي ثورات عديدة، منها ثورات الخوارج والعلويين والزيدية، وانتفاضات القبائل والأقاليم. 
ومن أشهرها ثورة زيد بن علي في الكوفة سنة 122هـ/740م ضد الأمويين، ثم ثورة يحيى بن زيد في خراسان، التي انتهت بمقتله سنة 125هـ/743م. 
وقد اختلفت هذه الحركات في أهدافها وقواعدها الاجتماعية، فبعضها طالب بالخلافة للعلويين، وبعضها اعترض على سياسات الحكام، وبعضها حمل مطالب اجتماعية واقتصادية. 

- ثورة الزنج :
من أعنف الانتفاضات ثورة الزنج التي اندلعت في جنوب العراق سنة 255هـ/869م واستمرت حتى 270هـ/883م.
ارتبطت الثورة بظروف العمل القاسية واستصلاح الأراضي المالحة، وتمكن قائدها علي بن محمد، من بناء قوة كبيرة سيطرت على البصرة ومناطق واسعة. 
واحتاج العباسيون إلى سنوات من القتال للقضاء عليها بقيادة الموفق بالله. 
ولا يصح اختزالها في كونها (ثورة عبيد) فقط، فقد شاركت فيها فئات متعددة، لكن طبيعة تكوينها الاجتماعي وحجم مشاركة المستعبدين فيها موضع نقاش بين الباحثين. 
وقد خلفت دماراً واسعاً وأظهرت قدرة الحركات الاجتماعية على تهديد الدولة المركزية. 

- القرامطة :
في أواخر القرن الثالث الهجري ظهرت الحركة القرمطية، وتحولت الدعوة الإسماعيلية إلى قوة سياسية وعسكرية أقامت دولة في البحرين وهددت العباسيين. 
وفي سنة 317هـ/930م هاجم القرامطة مكة خلال موسم الحج، وقتلوا عدداً من الحجاج، واقتلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى هَجَر، حيث بقي نحو اثنتين وعشرين سنة قبل إعادته سنة 339هـ/951م.
وتوضح هذه الحادثة كيف يمكن لحركة ذات خطاب ديني أن تتحول إلى قوة مسلحة تنازع الدولة القائمة. 

- الفاطميون :
وفي سنة 297هـ/909م أسقط الفاطميون، بمساندة قبائل كتامة بقيادة أبي عبد الله الشيعي، الدولة الأغلبية في إفريقية، وأقاموا خلافة إسماعيلية تنازع العباسيين الشرعية. 
ثم دخلوا مصر سنة 358هـ/969م بقيادة جوهر الصقلي، وأسسوا القاهرة. 
وبذلك أصبح العالم الإسلامي أمام خلافتين متنافستين، ثم أضيفت إليهما الخلافة الأموية في قرطبة سنة 316هـ/929م، فصار التنافس على لقب الخلافة ثلاثياً في أجزاء من القرن الرابع الهجري. 

- الانقلابات داخل الدولة العباسية :
لم تكن الدولة العباسية بمنأى عن الصراعات الداخلية، ففي بعض المراحل أصبح الوزراء والقادة العسكريون أصحاب النفوذ الحقيقي، بينما تحول الخليفة إلى واجهة دينية وسياسية، وبلغ الأمر ذروته في اغتيال الخليفة المتوكل سنة 247هـ/861م في انقلاب دبره قادة من الحرس التركي، لتدخل الخلافة مرحلة مضطربة عُرفت بفوضى سامراء.
ثم دخل البويهيون بغداد سنة 334هـ/945م وسيطروا عليها، مع إبقاء الخليفة العباسي في منصبه الاسمي. 
وبعدهم جاء السلاجقة سنة 447هـ/1055م وأخرجوا البويهيين، وأصبح السلاطين السلاجقة أصحاب القوة السياسية والعسكرية، بينما بقي الخليفة رمزاً دينياً مهماً. 
وتؤكد هذه المرحلة أن وجود الخليفة لم يكن يعني دائماً امتلاكه السلطة الفعلية. 

- الدولة السلجوقية:
اندلعت بعد وفاة السلطان السلجوقي ملكشاه سنة 485هـ/1092م حروب طويلة بين الأمراء على العرش، وانتهت، بعد مراحل متعددة، بتغلب محمد تابار، على أخيه بركيارق سنة 498هـ/1105م. وكانت وفاة الحاكم تفتح الباب أمام صراعات أسرية وعسكرية، لا أمام انتقال مستقر للسلطة. 

- الدولة الأيوبية :
في مصر أنهى صلاح الدين الأيوبي الخلافة الفاطمية سنة 567هـ/1171م، وأعاد ذكر الخليفة العباسي على المنابر، ولم يكن صلاح الدين خليفة مستقلاً، بل جاء في إطار صراع إقليمي بين نور الدين زنكي والفاطميين. 
وبعد وفاة نور الدين سنة 569هـ/1174م رفض الخضوع لابنه الصغير، وتوسع نفوذه واستقل بمصر ثم دخل في صراع على بلاد الشام. 
وتوضح هذه الواقعة أن القوة السياسية كانت ترسم حدود السلطة حتى داخل الدول الإسلامية. 

- دولة المماليك :
أما دولة المماليك، فقد قامت بعد مقتل السلطان توران شاه سنة 648هـ/1250م، آخر سلاطين الأيوبيين في مصر، على يد المماليك. 
وحكم المماليك مصر والشام قرابة ثلاثة قرون، لكن دولتهم شهدت بدورها انقلابات متكررة، إذ كان السلاطين يُعزلون أو يُقتلون ويأتي غيرهم بدعم الأمراء والفرق العسكرية.

- الدولة العثمانية :
حتى الدولة العثمانية لم تخلُ من العزل والانقلاب. 
فقد خُلع السلطان عثمان الثاني سنة 1622م وقتل على يد متمردين من الإنكشارية ورجال الدولة، ثم خُلع السلطان إبراهيم سنة 1648م. 
وفي القرن التاسع عشر خُلع عبد العزيز سنة 1876م، ولا تزال ظروف وفاته موضع خلاف بين من رجح الانتحار ومن رجح الاغتيال. 
وفي سنة 1909م خُلع عبد الحميد الثاني بعد أزمة 31 مارس وتدخل الجيش. 

وبنظرة بين الفقه والتاريخ نجد التالي :
مسألة تحريم الخروج على الحاكم مسألة فقهية متعددة الاتجاهات، ولا يصح اختزالها في عبارة واحدة. 
فقد شددت اتجاهات سنية على منع الخروج المسلح لما يترتب عليه من فتنة، بينما ناقشت مدارس أخرى شروط مقاومة الظلم وعزل الحاكم. 
لكن وجود رأي فقهي لا يعني أن المسلمين التزموا به دائماً، فالتاريخ يشهد بمقتل خلفاء وسلاطين، وعزل حكام، وسقوط أسر حاكمة، وقيام جيوش بإسقاط حكام وتنصيب غيرهم.
وهنا يجب التمييز بين النص الفقهي والسلوك السياسي للبشر، فقد يؤمن الناس بمبدأ ثم يخالفونه عندما تتغير مصالحهم أو ظروفهم، وهذه سمة بشرية لا تخص المسلمين وحدهم. 

في النهاية :
من عثمان وابن الزبير إلى العباسيين والقرامطة والفاطميين، ومن الزنج والسلاجقة إلى الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، يمتد تاريخ طويل من الثورات والانقلابات والحروب الأهلية والصراعات على الشرعية.
لكن هذه الحركات لم تكن كلها من النوع نفسه، فبعضها كان ثورة شعبية، وبعضها دينية أو قبلية، وبعضها انقلاباً عسكرياً أو صراعاً بين الأمراء، وبعضها انتقالاً دموياً للسلطة من أسرة إلى أخرى، وهذا التفريق ضروري لفهم التاريخ بعيداً عن التقديس السياسي.
إن الاعتراف بهذه الوقائع لا يعني الإساءة إلى الإسلام، فالدين شيء، والتاريخ الذي صنعه البشر شيء آخر، لقد كان المسلمون بشراً، تحالفوا وتصارعوا، ثاروا وقاوموا، أقاموا دولاً وأسقطوا دولاً. 
ومن يريد فهم حاضر الشعوب الإسلامية ومستقبلها فعليه أن يدرك أن الإنسان الذي يطالب بحريته اليوم ليس مختلفاً في جوهره عن الإنسان الذي ثار على الظلم قبل ألف عام. 
فحيث توجد السلطة توجد المعارضة، وحيث يظهر الظلم يظهر الاحتجاج، وحين تُغلق أبواب التغيير السلمي قد تُفتح أبواب الثورة. 
وهذه ليست سنة إسلامية فحسب، بل سنة من سنن التاريخ البشري. 

وعلى الله قصد السبيل
شادي طلعت