الكاتبة هدى حجاجي أحمد تكتب: هل الفقر أو الحاجة يبرران السكوت عن الخطأ ؟
هناك أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها حين نقترب منها قليلًا تكتشف أنها تمس أكثر المناطق حساسية في الإنسان؛ من بينها ذلك السؤال الذي يتكرر كلما تحدثنا عن الفساد أو الرشوة أو استغلال الوظيفة: هل الفقر يبرر الخطأ؟ وهل الحاجة تمنح الإنسان حقًا في أن يتجاوز القانون أو يسكت عن تجاوز يراه بعينيه لأنه يخشى على مصدر رزقه؟
قبل أن نحاكم الإنسان المحتاج، علينا أن نعترف بحقيقة لا يمكن تجاهلها: الفقر ليس اختيارًا في معظم الأحيان، والحاجة يمكن أن تضع الإنسان تحت ضغط نفسي واجتماعي شديد. من لا يجد ثمن الدواء، أو مصاريف تعليم أبنائه، أو إيجار مسكنه، قد يجد نفسه أمام اختيارات قاسية لا يعرفها من يعيش بعيدًا عن الخوف من الغد. ولذلك فإن الحديث عن الأخلاق دون فهم الظروف قد يتحول إلى نوع من القسوة الطبقية؛ لأن من السهل أن تقدم النصائح الأخلاقية وأنت لا تخشى أن ينقطع راتبك غدًا، أو أن يعود طفلك إلى البيت دون طعام.
لكن فهم الظروف شيء، وتحويلها إلى رخصة مفتوحة للخطأ شيء آخر تمامًا.
فهل يمكن أن نقول إن الفقر يجعل الرشوة حلالًا؟ وهل يستطيع الموظف أن يستغل موقعه لأن راتبه قليل؟ وهل يجوز لمن يعمل في مهنة حساسة أن يتنازل عن ضميره لأنه يحتاج إلى المال؟ وهل يصبح الظلم مقبولًا عندما يصدر عن إنسان فقير؟
هنا يجب أن نفرق بين تفسير الخطأ وتبريره.
قد نفهم لماذا سرق شخص لأنه كان جائعًا، وقد نتعاطف مع ظروفه، وقد نطالب بمساعدته ومعالجة الأسباب التي دفعته إلى ذلك، لكن هذا لا يعني أن السرقة أصبحت فعلًا صحيحًا. وفي الوقت نفسه، فإن معاقبته دون النظر إلى الظروف التي دفعته إليها قد تعني أننا نعالج النتيجة ونترك المرض.
المشكلة الحقيقية أن المجتمع كثيرًا ما يضع الإنسان المحتاج أمام معادلة قاسية: إما أن تحافظ على نزاهتك، وإما أن تدفع ثمنها وحدك.
موظف يرفض "الإكرامية" غير المشروعة، فينظر إليه زملاؤه باستغراب. موظف آخر يرفض تمرير ملف مخالف، فيسمع من حوله: "إنت هتصلح الكون؟ خلّي الدنيا تمشي." شخص يرفض استغلال حاجة الناس، فيقال له: "الناس كلها بتعمل كده."
وهكذا لا يصبح الفساد مجرد فعل فردي، وإنما يتحول إلى ثقافة اجتماعية تضغط على الفرد النزيه حتى تجعله يشعر أنه هو المختلف، وهو الغريب، وربما هو الساذج.
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر: من الذي يفسد من؟
هل الفاسد يفسد المجتمع؟ أم المجتمع الذي يتسامح مع الفساد يصنع الفاسدين؟
الحقيقة أن العلاقة متبادلة. عندما يرى الإنسان أن من يلتزم بالقانون يخسر، وأن من يتحايل عليه يربح، يبدأ مفهوم العدالة نفسه في الاهتزاز داخله. وعندما تتكرر المشاهد أمامه، يصبح الخطأ مألوفًا، ثم يصبح مقبولًا، ثم يتحول في النهاية إلى "شطارة".
وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي مجتمع.
لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يقتنع بأن الفساد فضيلة؛ يكفي أن يقتنع بأن مقاومته بلا فائدة.
حين يقول الموظف: "لو أنا ما أخدتش غيري هياخد"، فقد بدأ الاستسلام.
وحين يقول المواطن: "لو ما دفعتش مش هخلص مصلحتي"، فقد بدأ التطبيع.
وحين يقول المسؤول: "أنا واحد وسط منظومة كاملة"، فقد بدأ التنصل من المسؤولية.
وحين يقول الأب أمام أبنائه: "خليك شاطر واعرف تمشي أمورك"، فقد انتقلت المشكلة من جيل إلى جيل.
لكن هل معنى ذلك أن نطلب من الإنسان الفقير أن يتحمل وحده كل شيء؟
بالتأكيد لا.
وهنا يجب أن نكون أكثر عدلًا في طرح القضية. لا يجوز أن نطالب المواطن بالنزاهة ثم نتركه بلا حماية. ولا يجوز أن نقول للموظف "ارفض الرشوة" ثم نغض الطرف عن الضغوط التي يتعرض لها بسبب رفضه. ولا يجوز أن نطلب من العامل أن يكون مثاليًا بينما لا نوفر له حدًا أدنى من الحياة الكريمة.
مقاومة الفساد مسؤولية فردية، لكنها أيضًا مسؤولية مؤسسية ومجتمعية.
الفرد مسؤول عن قراره، والمؤسسة مسؤولة عن توفير بيئة لا تجعل النزاهة عقوبة، والمجتمع مسؤول عن تغيير الصورة التي تجعل الفاسد "شاطرًا" والشريف "غبيًا".
وقد يكون أصعب ما في الفقر أنه لا يهدد الجيب فقط، وإنما يضغط على الكرامة أيضًا.
فالإنسان الذي لا يملك قد يجد نفسه مضطرًا إلى قبول ما يرفضه لو كان قادرًا. وهنا لا ينبغي أن نكتفي بعبارة "كان عليه أن يقول لا". أحيانًا يكون قول "لا" مكلفًا جدًا.
لكن السؤال المقابل يجب أن يبقى قائمًا: إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يبيع من نفسه مقابل احتياجه؟
فإذا تنازل مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، قد يكتشف في النهاية أنه لم يعد يملك القدرة على معرفة أين بدأ التنازل وأين انتهى.
وهنا تتحول الحاجة من أزمة اقتصادية إلى أزمة أخلاقية.
ولذلك فإن مواجهة الفساد لا تبدأ فقط من محاكمة الفاسد، وإنما من معالجة البيئة التي تجعل الفساد مغريًا، وتجعل النزاهة مكلفة.
نحتاج إلى مؤسسات واضحة، وإجراءات شفافة، ورقابة حقيقية، وحماية لمن يرفض المخالفة، وإلى ثقافة اجتماعية تتوقف عن تمجيد الثراء مهما كان مصدره.
نحتاج كذلك إلى أن نربي أبناءنا على فكرة شديدة البساطة: ليس كل ما تستطيع الحصول عليه من حقك أن تحصل عليه.
فقد يكون المال أمامك، وقد تكون لديك القدرة على أخذه، وقد لا يراك أحد، لكن هناك دائمًا شيء يراك: ضميرك.
والفقر لا يجعل الإنسان سيئًا، كما أن الغنى لا يجعله صالحًا.
هناك فقراء حفظوا كرامتهم وسط العوز، وأغنياء فقدوا ضمائرهم رغم وفرة كل شيء.
المشكلة إذن ليست في حجم ما يملكه الإنسان في جيبه، وإنما في حجم ما بقي منه في داخله.
وفي النهاية، لا ينبغي أن نسأل فقط: هل الفقر يبرر الخطأ؟
بل علينا أن نسأل سؤالًا أكثر عدلًا:
لماذا نترك الإنسان يصل إلى اللحظة التي يصبح فيها مضطرًا للاختيار بين لقمة عيشه وضميره؟
لأن المجتمع الذي يطالب أبناءه بالنزاهة، عليه أولًا أن يجعل النزاهة ممكنة.
أما أن نطلب من المحتاج أن يكون بطلًا، ثم نتركه وحيدًا في مواجهة الحاجة، فذلك ليس إصلاحًا.
ذلك مجرد نقلٍ للمسؤولية من النظام إلى الضحية.












لـ27 أكتوبر.. تأجيل نظر دعوى زينة ضد أحمد عز بشأن متجمد أجر...
شاب يقتل مسنة ويشعل النار في مسكنها ويقفز من الشقة بمصر القديمة
مصرع سيدة سقطت من أعلى عقار سكنى في التجمع
اليوم..أولى جلسات استئناف حكم إعدام متهم بخطف فتاة من ذوي الإعاقة
أسعار الذهب اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026.. وعيار 21 بـ6340 جنيهًا
سعر الذهب اليوم في مصر الاثنين 14 سبتمبر 2026.. عيار 21 يسجل...
سعر الدولار اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 فى مصر
أسعار العملات الأجنبية اليوم الجمعة فى مواجهة الجنيه المصري