الأربعاء 7 أكتوبر 2026 06:13 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الإعلامى محمد جراح يكتب: (فى هوى ذلك الهواء) ..محمد عبد الكريم والإعلام في القاهرة، وطوكيو، وواشنطن

الإعلامى الكبير محمد جراح
الإعلامى الكبير محمد جراح

   للصديق الإعلامي محمد عبد الكريم صوت عريض يخرج من قرار صدره منغماً بصدق يتدفق على لسانه العذب وتعكسه قسمات وجهه الطيب النبيل؛ فيأسرك بنبراته وخلجاته؛ فلا تملك إلا أن تُشد إليه وهو يعلق أو يقدم البرامج، أو حتى وهو يقرأ الأخبار بجفافها وتباين أحداثها، أو وهو يستدعي من ذاكرته الحادة والحاضرة حكايات ومواقف يضفي عليها من روحه الجميلة؛ وموهبته الأصيلة؛ وخبراته ومواهبه التي قلما تجتمع جميعها في غيره ممن امتهنوا مهنة الإذاعة والإعلام عموماً!.
    وفي كتابه الذي يحمل عنوان (على الهواء القاهرة.. طوكيو.. واشنطن) الصادر عن دار نشر "مركز الحضارة العربية" بالقاهرة يحلق بنا عبدالكريم ويأخذك في رحلة تناهز الأربعين عاماً بدأت من مدينة شبين الكوم حيث المولد والدراسة والأسرة التي حرص ربانها على تعليم أولاده ليكملوا ويحققوا له حلمه بعد أن شده أبوه إلى جواره وكان قد حصل على التوجيهية والثقافة؛ ويستعد لدخول الجامعة؛ لكن الوالد الجد أوقفه إلى جواره في تجارة النحاس، ثم الانتقال إلى القاهرة لاستكمال الحلم؛ حيث الدراسة والتجنيد؛ ثم العمل والاستقرار.
     يقول عبد الكريم في كتابه القيم إنه لم يخطط للعمل في الإذاعة، كانت دراسته في كلية الألسن وتخصصه في اللغة الألمانية، تؤهله للعمل في الترجمة أو التحرير حتى كان ذلك اليوم الذي أطلعه فيه صديق له على إعلان بالصحف؛ يشير إلى مسابقة تجريها الإذاعة لاختيار أصوات جديدة؛ لتدفع بها إلى هوائها الباذخ، ولم يكن أستاذنا مستعداً أو مصدقاً أنه إذا ما تقدم اجتاز؛ وسكنه اعتقاد بأ الأمر تلزمه واسطة لم يعرفها؛ أو " كوسة" لا يمتلكها، لكنه تقدم ونجح؛ ومر بمراحل تكميلية من الاختبارات حتى جلس مع زملائه أمام الإذاعي الكبير صبري سلامة متدرباً؛ ثم تكليفه وهو ما يزال في التدريب في الإشراف على البرنامج الروسي في خدمة البرنامج العبري وهو خدمة إذاعية كانت وما تزال موجهة من إذاعة القاهرة إلى إسرائيل.
 وعلى الرغم من ألمه لانتزاعه من وسط زملائه؛ وهو الذي كان يستعجل أن يخرج صوته على الهواء مصافحاً آذان المستمعين في مصر من أقصاها إلى أقصاها؛ نجده مع إصراره ودأبه ينجح في العودة إلى مقاعد التدريب، حتى وإن ظل مشرفاً على البرنامج الروسي.
كان من المفروض أن يذهب بعد ذلك إلى إذاعة البرنامج العام، لكن موضوع البرنامج الروسي ظل عائقاً؛ وكأن اللغة التي تخصص فيها ويجيدها أرادت أن تحول بينه وبين الميكروفون، لكنه مع دأبه وإصراره يحقق حلمه فيحكي لنا قصة التحاقه بإذاعة الشباب التي كانت ما تزال في مهدها بعد إطلاقها على يد الإذاعي الكبير الراحل إيهاب الأزهري ليصير من بعد زميله صلاح الدين مصطفى كبيراً لمذيعيها؛ ولم يكن قد تخطى الخامسة والعشرين من عمره، ويأخذنا قصة سفره إلى جنوب سيناء ومدينة الطور أثناء الاستعداد لعودتها إلى حضن الوطن، والعودة منها وقد صار مقدماً لبرنامج تليفزيوني على القناة الثانية؛ وليحلق بجناحيه معاً؛ ففي ناحية يسكن المسموع؛ وفي الناحية الأخرى يسكن المرئي؛ وفي منقاره الأخبار؛ فيحلق وقد قبض بمخلبيه على صحائف الترجمة والصياغة والتحرير فكان بحق إذاعي شامل.
    اشتاق عبد الكريم إلى العمل في الإذاعات الدولية وهو الذي بدأ في القاهرة في خدمة تتبع شبكة الإذاعات الموجهة أو الدولية كما صارت تعرف الآن، وقبل أن تأتيه فرصة العمل في الخدمات الدولية والإذاعات العالمية جاءته فرصة من حيث لا يدري للسفر والعمل في السعودية في وكالة صحفية، لكن نظره كان شارداً؛ وظل قلبه متعلقاً بالميكروفون؛ فسرعان ما عاد من هناك ولم يكن قد أكمل شهره الرابع لبستكمل العمل في إذاعته ويبحث في الوقت ذاته عن السفر والعمل في إذاعة من الإذاعات العالمية العابرة للقارات.
     كانت البداية في إذاعة اليابان التي عمل بها هو وزوجته الإعلامية الفاضلة فايزة المصري التي كانت تعمل في أخبار الإذاعة؛ ثم التحقت مثله بإذاعة الشباب؛ وحكى لنا تلك التجربة الثرية ولم ينس أن يلقي بضوء على اليابان واليابانيين حتى عاد في أواخر الثمانينيات لإذاعة الشباب، وكانت محطة أو استراحة محارب استفاد فيها من خبراته التي اكتسبها في اليابان تمهيداً لانطلاقته الكبرى في إذاعة ضوت أمريكا التي سبقه إليها كثير من المصريين للعمل بها؛ فلم يكن غريباً هناك؛ ولم يشعر بوحشه منذ وطأت قدماه مبنى الإذاعة هناك؛ فمعظم من حوله كانوا من بني جلدته، وما تبقى هم من جنسيات عربية شقيقة، ومثلما كان الحال في القاهرة توزع عمل عبد الكريم مع توالي السنوات بين الإذاعة والتليفزيون، وكانت زوجته السيدة فايزة المصري معه مثلما كانت معه في اليابان، وفي مشواره هناك اضاف إلى خبراته العملية مجالات الإنتاج والإخراج
فكان نجماً في كل المجالات.
  وقد لا تملك وعيناك تجر يعلى سطور الكتاب إلا أن تهتف الله؛ وتظل مشدوداً إلى حكاياته التي جمعت في سردها بين البساطة والمهنية فلا هي متقعرة ولا هي متدنية، فكانت مثل لغة المثقفين التي يسميها البعض بعامية المثقفين؛ مع التأكيد على أن لغة كاتبنا لم تلجأ إلى العامية وإنما كان المثال للتدليل على جزالتها ورشاقتها وليس أكثر. فكانت لغة رشيدة، والذكريات شيقة أنيقة حتى وإن انتقدت أوعاتبت في بعض المرات.
     ثمة مفارقة نتعرف عليها من تدفق الحكي فكان هناك من مدح صوته ووصفه بأنه صوت نحاسي، وكان الجد والوالد من تجار النحاس في المنوفية!، فأي مفارقة تلك التي تجعل من خامة الصوت الفخم ما يقربه إلى رخامة الصوت النحاسي بما له من جرس وإيقاع.وقرار.
     عرف عبد الكريم كيف يجمع أدواته إلى موهبته فكان مذيعاً شاملاً يترجم الأخبار ويصيغها ثم يحررها ليقرأها ويعد البرامج ويقدمها ويخرجها، وهو الأمر الذي أفاده في تجاربه في الإذاعات الدولية.وهي الإذاعات التي لا تنفع فيها الواسطة ولا سلطان للمعارف عليها، ولم ينس وهو يمضي بنا في مشواره وذكرياته أن يذكر لنا بعضاً من كبار الإذاعيين الذين كان لهم اثر في مشواره، أو إعجاب في مخيلته؛ وأولهم بالطبع الإذاعي الكبير المرحوم صبري سلامة؛ ثم المرحوم الأستاذ إيهاب الأزهري مُنشئ إذاعة الشباب بثقافته العلمية الرفيعة؛ وسعيه لأن تكون إذاعة الشباب إذاعة للمستقبل؛ والإذاعي الكبير الموسوعي علي عيسى، ثم الإذاعي الكبير المرحوم حمدي الكنيسي، وهو آخر مدير عمل معه قبل سفره واستقراره في واشنطن، وكذلك الإذاعي الكبير عمر بطيشة، والإذاعية الكبيرة الراحلة آمال فهمي التي رآها ملكة متوجة للحوار الإذاعي.
   ومن أغرب المواقف التي تعرض لها استاذنا محمد عبد الكريم هو ما حدث من الكاتب الكبير أنيس منصور الذي ربما استهان أو استكبر أن يكون ضيفاً في حوار يبث من خلال إذاعة تخاطب الشباب مرتين، كانت الأولى في رحلة جنوب سيناء، وكانت الثانية في القاهرة؛ ولا أدري ماذا كان يعيب محمد عبد الكريم لما قدمه مديره للأستاذ أنيس بأنه كبير المذيعين فما كان من أنيس إلا أن علق ساخراً " أول مرة أشوف كبير مذيعين عمره ستة عشر عاما"، ولم يفوتها له أستاذنا عبد الكريم وإن كان قد صرف النظر عن التسجيل معه، وضرب لنا أمثلة بمواقف من مسئولين أمريكيين كانوا حريصين على الظهور الإعلامي متى تمت دعوتهم
لأنهم كانوا على دراية ومعرفة بالإعلام ورسالته وتأثيره، فلا يتأخر أحدهم مهما كان مشغولاً عن تلبية الدعوة، كما يسرد لنا قصة حواره مع المطربة عفاف راضي الذي تم في مكتب الأستاذ عمر بطيشة بعد تردد وخوف، ولكنها ولأنها كانت ما تزال على ترددها   ألحت حتى لا يذاع الحوار الذي أُجري معها، وهو ما كان بناء على رغبتها، وما دمنا نتحدث عن عفاف راضي أتذكر أنني اتصلت بها ذات مرة لإجراء حوار سريع معها من خلال التليفون، لكنها اعتذرت لي بأنها مشغولة بالطبخ لأنها تنتظر ضيوفاً على الهواء وتخشى أن تتأخر عن طشة الملوخية!؛ وربما يؤكد ذلك الموقف أنها ظلت على ترددها طوال مشوارها وهي الصوت الذي راهن عليه عبد الناصر ورآها بديلاً لفيروز التي لم تغادر لبنان مثل أخريات من بني جلدتها وتقصد القاهرة مثلهن، وكان عبد الناصر يردد بأنها ولدت بالخطأ في لبنان، ومن أجل ذلك تحمس لعفاف راضي بصوتها الأوبرالي القوي والجميل، لكن الخجل كان مسيطرأ على موهبتها واستمر ملازماً لها في كل الأوقات. 
    أما الكاتب الصحفي مفيد فوزي الذي هاتفه زميلنا محمد عبد الكريم فكان رده في غاية الغرابة وهو يقول له إنه يرأس مطبوعة سياسية وليس مطبوعة فنية، ولا أدري حتى اليوم متى كانت مجلة صباح الخير مطبوعة سياسية بأبوابها الفنية والسياسية المنوعة، بل وبارتباط رئيس تحريرها نفسه بالفن والفنانين؛ وأبلغ مثال على ذلك هو موضوع علاقته بعبد الحليم حافظ التي كان كثيراً ما يستدعيها وهو يتبادل الاتهامات مع الأستاذ مجدي العمروسي أحد أهم رفقاء حليم وشريكه مع الموسيقار محمد عبد الوهاب في شركة صوت الفن. 
    المثير في كتاب محمد عبد الكريم أنه لم يقتصر على سرد الذكريات فقط بل بدا صفحاته بقصة نقل الصوت عبر الأثير، والمراحل الطويلة التي قطعها علماء ومغامرون حتى كان الراديو بكل سحره وروعته، ولم ينس وهو الإذاعي المتمرس إن يجعل من كتابه مرجعاً وهو يتحدث عن أدبيات العمل الإعلامي وأصوله 
    أما الجميل في الكتاب فهو أنه قصد ألا يسهب في الحكايات عن عادات وتقاليد كل من الشعبين الياباني والأمريكي؛ ذلك لأن الفضاء أصبح مفتوحاً؛ والمسافات لم تعد عائقاً أمام المعرفة؛ لكنه اختار ما يحكيه ليأتي في مكانه ملائماً لضرورة وجوده وهو يؤرخ لمشوار طويل شاهد فيه وشارك في التجربة الإعلامية المصرية وربما قارنها بالتجربة اليابانية والأمريكية.
   أما الأجمل في الكتاب فهو حرص مؤلفه على الإشارة إلى رفيقة دربه الإذاعية الكبيرة فايزة المصري فخصها بكثير من الحكي منذ رآها للمرة الأولى بالبالطو الرمادي تحلس إلى جانب مؤسس إذاعة الشباب الأستاذ غيهاب الأزهري، وقصة انتقالها للعمل كمذيعة وصولاً لإلى الخطبة ثم الزواج ومشاركته مشوار الحياة. 
الكتاب:                                      على الهواء 
                                      القاهرة ..طوكيو.. واشنطن 
المؤلف:                                محمد عبد الكريم
الناشر:                     مركز الحضارة العربية ، القاهرة 2025م
عدد الصفات:                    296  صفحة قطع متوسط.

محمد جراح مقالات محمد جراح الجارديان المصرية فى هوى ذلك الهواء ⇧