الإثنين 12 أكتوبر 2026 12:29 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب: عالم على حافة الانفجار.. الشرق الأوسط في قلب العاصفة

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة تعاني من أزمات سياسية أو صراعات عسكرية متفرقة، بل أصبح واحدًا من أكثر مناطق العالم تأثيرًا في رسم ملامح المستقبل الدولي، في ظل اضطرابات متلاحقة تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتتداخل فيها الحسابات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لتضع شعوب المنطقة والعالم أمام تساؤل بالغ الأهمية: إلى أين يتجه العالم في ظل هذا المشهد المضطرب؟
فالمنطقة التي تمتلك أهمية استراتيجية استثنائية، بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وممراتها البحرية الحيوية، أصبحت ساحة مفتوحة لتحديات متصاعدة، من الحروب والنزاعات المسلحة إلى التوترات السياسية والأمنية، مرورًا بالأزمات الاقتصادية والإنسانية التي باتت تلقي بظلالها الثقيلة على حياة ملايين البشر.
ولعل أخطر ما في هذه الاضطرابات أنها لم تعد محصورة في حدود الدول التي تشهد الصراعات، وإنما تجاوزت آثارها الجغرافية لتصل إلى مختلف أنحاء العالم. فالتوترات في الشرق الأوسط تنعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة وأسعار النفط والغاز، وحركة التجارة الدولية، وتكاليف النقل والشحن، فضلًا عن تأثيرها على الاستثمارات ومعدلات النمو الاقتصادي.
وتكمن خطورة المشهد في أن أي تصعيد عسكري واسع قد يهدد طرق الملاحة الدولية، خاصة في الممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية، وهو ما يفتح الباب أمام اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، ويزيد الأعباء على الاقتصادات التي لا تزال تحاول التعافي من أزمات متلاحقة. وهنا لا يصبح الصراع شأنًا إقليميًا فحسب، بل يتحول إلى أزمة دولية يدفع ثمنها مواطنون في دول بعيدة عن ساحات المواجهة.
أما شعوب الشرق الأوسط، فهي الطرف الأكثر تعرضًا لتداعيات هذه الأزمات، بعدما أصبحت الحياة اليومية لكثير من المواطنين مرتبطة بتطورات سياسية وعسكرية لا يملكون التأثير المباشر فيها. فارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وزيادة معدلات الفقر، وتراجع الاستثمارات، واضطراب الخدمات الأساسية، كلها نتائج تضع المواطن أمام تحديات معيشية متزايدة، في وقت تتطلع فيه الشعوب إلى الاستقرار والتنمية وتحسين مستوى الحياة.
ولا يمكن تجاهل الكلفة الإنسانية للصراعات، سواء ما يتعلق بسقوط الضحايا أو نزوح السكان أو تدمير البنية التحتية أو تراجع فرص التعليم والرعاية الصحية. فالأزمات لا تتوقف آثارها بانتهاء المواجهات العسكرية، بل قد تستمر آثارها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لسنوات طويلة، وتترك وراءها أجيالًا تتحمل نتائج صراعات لم تكن طرفًا في صنعها.
ومن المؤسف أن المنطقة لا تزال تدفع أثمانًا باهظة نتيجة غياب الحلول السياسية المستدامة، وتغليب منطق القوة على لغة الحوار، فضلًا عن استمرار التدخلات الخارجية وتضارب المصالح الدولية والإقليمية. فكل طرف يسعى إلى تعزيز نفوذه وتحقيق مكاسبه، بينما تظل الشعوب في كثير من الأحيان هي الحلقة الأضعف في معادلة الصراع.
وعلى المستوى الدولي، تكشف هذه التطورات عن حجم الارتباك الذي يواجه النظام العالمي، في ظل تراجع القدرة على احتواء الأزمات، وتزايد التنافس بين القوى الكبرى، وتضارب المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية. كما أن تعدد بؤر التوتر من الشرق الأوسط إلى مناطق أخرى من العالم يجعل احتمالات التصعيد أكثر تعقيدًا، ويزيد صعوبة الوصول إلى تسويات سياسية قادرة على تحقيق الاستقرار.
وفي هذا السياق، لم يعد الاقتصاد العالمي بمنأى عن الحسابات السياسية والعسكرية، إذ أصبحت القرارات المرتبطة بالحروب والعقوبات والتحالفات تؤثر بصورة مباشرة في حركة الأسواق والتجارة والاستثمارات. وأصبح العالم أكثر إدراكًا لحقيقة أن الاستقرار السياسي والأمني ليس رفاهية، وإنما ضرورة أساسية لاستمرار النمو الاقتصادي وحماية مصالح الشعوب.
لكن السؤال الأهم يظل متعلقًا بمستقبل الشرق الأوسط نفسه؛ فهل تستمر المنطقة في الدوران داخل دائرة الأزمات والصراعات، أم تنجح دولها في تحويل التحديات إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز التعاون الإقليمي، وبناء علاقات تقوم على المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول؟
إن الخروج من هذا المشهد لا يحتاج فقط إلى تهدئة مؤقتة أو اتفاقات هشة، وإنما يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتغليب المصالح الوطنية، واحترام القانون الدولي، والعمل على معالجة جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء باحتواء نتائجها. كما يتطلب تعزيز دور المؤسسات الدولية في تسوية النزاعات، بعيدًا عن ازدواجية المعايير أو توظيف القضايا الإنسانية والسياسية لخدمة حسابات القوى الكبرى.
والأهم من ذلك أن تصبح التنمية وتحسين حياة المواطن في مقدمة أولويات الحكومات، لأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، وإنما يرتبط أيضًا بالعدالة الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وضمان حياة كريمة للمواطنين.
فالشرق الأوسط لا تنقصه الإمكانات ولا الموارد ولا الطاقات البشرية، لكنه يحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح بتوظيف هذه الإمكانات في البناء بدلًا من استنزافها في الصراعات. كما أن العالم بأسره أصبح في حاجة إلى إدراك أن استمرار الأزمات في هذه المنطقة لن يظل محصورًا داخل حدودها، وإنما ستتسع دوائره لتطال الجميع، مهما تباعدت المسافات.
إن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ إما أن تنتصر لغة العقل والحوار والتعاون، أو تستمر دوامة الصراعات التي لا يعرف أحد حدود نهايتها أو حجم تكلفتها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت الحروب تصنع انتصارات مؤقتة لبعض الأطراف، فمن يعوض الشعوب عن سنوات ضاعت من أعمارها، واقتصادات استنزفت، وأحلام أجيال تأجلت؟
إن العالم على حافة الانفجار، ولن يكون الخروج من هذه الدائرة ممكنًا إلا بانتصار لغة العقل على منطق القوة، واحترام سيادة الدول، ووضع الإنسان وحقه في الحياة الآمنة والكريمة فوق حسابات المصالح والنفوذ.

مدحت الشيخ مقالات مدحت الشيخ الجارديان المصرية عالم على حافة الانفجار.. الشرق الأوسط في قلب العاصفة ⇧