الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 05:12 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي الحسيني عبدالله يكتب : (حكايات مصيرية)... نوبل للسلام.. شاهد عيان

الكاتب الكبير الحسيني عبدالله
الكاتب الكبير الحسيني عبدالله

في زمن تتقاطع فيه الأزمات الإنسانية وتتوالى الصراعات الدامية على مسرح الأحداث العالمي، تأتي جائزة نوبل للسلام لتعيد الاعتبار للبوصلة الأخلاقية والقانونية للبشرية؛ فقد أُعلن مؤخرًا عن فوز الحقوقية والقاضية الجنوب أفريقية البارزة "نافانيثيم (نافي) بيلاي" (Navi Pillay) بجائزة نوبل للسلام لهذا العام، تقديرًا لجهودها الاستثنائية والدؤوبة في تعزيز السلام وسيادة القانون الدولي، ودفاعها المستميت عن حقوق الإنسان في أكثر ملفات العالم تعقيدًا ودموية.
​من رحم التمييز العنصري إلى قاعات العدالة الدولية
​لم تكن رحلة نافي بيلاي نحو منصات التكريم العالمية مفروشة بالورود؛ فقد نشأت وترعرعت في ظل نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) في جنوب أفريقيا، امرأةً من أصول هندية تهمّشها سياسات النظام الحاكم آنذاك. ورغم التحديات الجسام، شقّت طريقها لتصبح أول امرأة تفتح مكتب محاماة في مقاطعة "ناتال" عام 1967م، وأول امرأة من أصحاب البشرة الملونة تتبوأ مقعدًا في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا.
​في تلك الحقبة المظلمة، لم تكتفِ بيلاي بكونها مراقبة، بل انخرطت بشجاعة نادرة في الدفاع عن المعتقلين السياسيين ونشطاء حركة مناهضة الفصل العنصري، بما في ذلك القضايا المرتبطة بمعتقلي "جزيرة روبين" الشهيرة، حيث كان يقبع الزعيم الراحل نيلسون مانديلا ورفاقه. هذا المخزون النضالي المبكر صاغ فلسفتها القائمة على أن: «السلام الحقيقي لا يتحقق إلا برفع الظلم وإرساء قواعد المحاسبة».
​وقد تجلّت الحيثيات المحورية لمنح بيلاي هذه الجائزة الرفيعة في مواقفها الجريئة والصلبة تجاه القضية الفلسطينية، وتحديدًا من خلال ترؤسها للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، المعنية بالتحقيق في الجرائم بالأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد قادت بيلاي تحقيقات أممية شجاعة ووثّقت الانتهاكات والعدوان على قطاع غزة، وخلصت اللجنة في تقاريرها الحازمة إلى تحميل المسؤولية عن ارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين في غزة.
​وقد شددت لجنة نوبل على أن منحها الجائزة يأتي تكريمًا لشجاعتها الاستثنائية في تطبيق أحكام القانون الدولي بحيادية وثبات، ورفضها الخضوع للضغوط السياسية، متخذة من كشف الحقيقة ونصرة الضحايا مرجعية أولى وأخيرة، وهو ما تجسد في قولها الشهير عقب الإعلان: «إن تفسير القانون والوقوف مع الحق لا يحتاج إلى شجاعة بقدر ما يحتاج إلى إخلاص للعدالة والتزام بالحقائق».
​إن الوقوف على مسيرة نافي بيلاي يضعنا أمام الحقيقة الناصعة المقترنة بالقضية الفلسطينية؛ إذ تؤكد مواقف وتقارير بيلاي الأممية أن السلام لا يمكن أن يسود في منطقة الشرق الأوسط دون الانصياع لقواعد الشرعية الدولية وإنهاء الاحتلال. إن حق الشعب الفلسطيني العادل والمشروع في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة والعيش بسلام وأمان على أرضه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو حق إنساني وقانوني غير قابل للتصرف. لقد أثبتت التجربة التاريخية التي عاشتها بيلاي في جنوب أفريقيا، وتترجمها اليوم في الدفاع عن الفلسطينيين، أن سياسات القمع والفصل العنصري ومصادرة الأراضي لم ولن تكسر إرادة الشعوب التائقة للحرية، وأن الطريق الوحيد لإنهاء دوامة العنف يكمن في إنصاف الضحايا واسترداد الحقوق السليبة ليحيا الشعب الفلسطيني بكرامة وسلام كبقية شعوب الأرض.
​صوت لمن لا صوت له
​وقد شغلت بيلاي محطات فارقة جعلت منها صوتًا لمن لا صوت له على المستوى الدولي، لاسيما خلال توليها مناصب رفيعة مثل مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وعضويتها وقضائها في المحاكم الجنائية الدولية. ومن أبرز محطات سعيها الحثيث لإقامة العدالة:
​مكافحة العنف الجنسي كسلاح حرب: لعبت بيلاي دورًا تاريخيًا ومحوريًا من خلال المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في إرساء سوابق قانونية دولية تعتبر الاغتصاب والعنف الجنسي جرائم حرب وأعمال إبادة جماعية، وليست مجرد تداعيات جانبية للنزاعات.
​مواجهة الإفلات من العقاب: كرّست حياتها المهنية لتأكيد حقيقة أن الزعماء والقادة الذين يرتكبون فظائع ضد المدنيين لا ينبغي أن يفلتوا من العقاب، بغض النظر عن مناصبهم أو نفوذهم.
​الدفاع عن حقوق الضعفاء والمهمشين: لم تقتصر جهودها على النزاعات المسلحة الكبرى، بل امتدت لتشمل حماية حقوق الأقليات، والمهاجرين، والنساء، والأطفال في مختلف قارات العالم، واضعة المعايير الحقوقية نصب عينيها في مواجهة طغيان القوة.
​ويأتي منح جائزة نوبل للسلام لبيلاي في توقيت تشهد فيه المنظومة الدولية اهتزازات واسعة واختبارات قاسية لمصداقية القانون الدولي الإنساني. وقد عبّرت لجنة نوبل عن هذا المعنى بالقول إن بيلاي مثّلت: «حصنًا منيعًا للدفاع عن المبادئ القانونية الدولية، ومصدر أمل وإلهام لكل الساعين إلى عالم أكثر سلامًا وعدلًا».
​إن تتويج نافي بيلاي ليس مجرد تكريم لمسيرة شخصية استثنائية امتدت لعقود، بل هو رسالة تذكير قوية بأن العدالة هي الضمانة الوحيدة لاستدامة السلام، وبأن الأصوات الحرة التي تدافع عن الكرامة الإنسانية قادرة دومًا على اختراق جدران الظلم واليأس.

الحسيني عبدالله مقالات الحسيني عبدالله (حكايات مصيرية) .نوبل للسلام.. شاهد عيان الجارديان المصرية ⇧