طاهر إدريس يكتب: حينما تنحدر الأخلاق وتندثر القيم
لم نعد نخاف من الفقر كما كنا ولا من عدو خارجي الخوف الحقيقي اليوم هو أن نستيقظ فنجد أنفسنا بلا ملامح أن ننظر في المرآة فلا نعرف من نحن. هذا ما يحدث حين تنحدر الأخلاق وتندثر القيم.
المجتمعات لا تموت فجأة. و لا تنهار بصاروخ، بل تنهار حين يصبح الكذب ذكاءً، والخيانة وجهة نظر، والوقاحة صراحة، وقلة الحياء تحرراً.
لم يحدث هذا الانحدار في يوم وليلة. لقد حدث بتراكم تنازلات صغيرة.
فلم يعد القدوة هو العالم، والمعلم، والطبيب، وصاحب الحرفة الأمين. أصبح القدوة هو الأكثر صخباً، الأكثر متابعة، حتى لو كان فارغاً. فتعلّم الجيل أن القيمة ليست فيما تقدم، بل فيما تثير من جدل.
ظهر الانحدار الأخلاقي حين انفصل الدين عن الخلق حيث أصبحنا نحرص على مظاهر التدين أكثر من جوهره. نُطيل اللحى ونُقصّر الثياب، ونحفظ الشعارات، لكن المعاملة أصبحت قاسية. نسينا أن الدين لم ينزل ليُعلق على الجدران، بل ليسكن في السلوك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ظهر الانحدار حين تحولت المادة إلى إله في مجتمع ضاقت فيه فرص العيش الكريم، أصبح المال هو المقياس الوحيد للنجاح. فبيعت الذمم من أجل وظيفة، وزُوّرت الشهادات من أجل منصب، وسُكت عن الظلم من أجل مصلحة. لم نعد نسأل "هل هذا حلال أم حرام؟" بل نسأل "هل هذا مربح أم لا؟"
انحدار الأخلاق ليس فكرة فلسفية، بل هو مشهد يومي تراه في البيت حيث يعلو صوت الأبناء على الآباء، ويصبح العقوق وجهة نظر، وبر الوالدين عبئاً.
تراه في الشارع، حيث تختفي النخوة. يُهان الكبير ولا أحد يتدخل، وتُؤذى المرأة ولا أحد يحمي، لأن الجميع يقول "وأنا مالي".
تراه في العمل، حيث مات الضمير. الموظف لا يخدم الناس بل يبتزهم، والتاجر لا يربح بالبركة بل بالغش، والمسؤول لا يرى منصبه أمانة بل غنيمة.
تراه حتي في مواقع التواصل، حيث سقط الحياء. أصبحت الأعراض سلعة، والخصوصيات محتوى، والشتائم بطولة، والستر ضعف.
إن أخطر ما في الأمر أننا اعتدنا. لم نعد نستنكر. أصبح المنكر مألوفاً.
يا ساده حين تندثر القيم، لا نخسر جيلاً فقط، نخسر وطناً.
مجتمع بلا أخلاق لا يمكن أن يبني اقتصاداً، لأنه مجتمع بلا ثقة. ولا يمكن أن يبني علماً، لأنه مجتمع يقدّر الغش على الاجتهاد. ولا يمكن أن يبني حرية، لأن الحرية بلا أخلاق تتحول إلى فوضى يأكل فيها القوي الضعيف.
أخيراً: كيف نعود؟
ولكي نعود من تلك الآفة الأخلاقية فإن العودة لا تكون بقانون جديد فقط، ولا بخطبة عصماء. فالقوانين تضبط السلوك، لكنها لا تصنع الإنسان.
العودة تبدأ من البيت بأن يعود الأب قدوة لا ممولاً، والأم مربية لا خادمة. أن نربي أبناءنا على أن الرجولة مواقف، وأن الأنوثة حياء، وأن الكرامة أغلى من الراتب.
ثم المدرسة والمسجد أن نعيد للمُعلم هيبته، وللإمام دوره كمصلح لا كمردد للخطب المحفوظة. نحن لا نحتاج مناهج جديدة بقدر ما نحتاج معلماً يخاف الله في طلابه.
الفرد نفسه يقرر أن يكون استثناءً. أن لا يكذب لأن الجميع يكذب، وأن لا يرتشي لأن "الدنيا كلها ماشية كده". الاستقامة في زمن الانحدار ليست ضعفاً، هي مقاومة. وهي أشد أنواع البطولة.
واخيرا.. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. ذهبوا ليس لأنهم هُزموا، بل لأنهم لم يعودوا يستحقون البقاء.
القيم لا تموت وحدها، نحن من ندفنها كل يوم بصمتنا وتبريرنا وخوفنا. ونحن أيضاً من نستطيع أن نُحييها، كل يوم، بكلمة حق، وموقف شريف، ورفض صغير للباطل.












لـ27 أكتوبر.. تأجيل نظر دعوى زينة ضد أحمد عز بشأن متجمد أجر...
شاب يقتل مسنة ويشعل النار في مسكنها ويقفز من الشقة بمصر القديمة
مصرع سيدة سقطت من أعلى عقار سكنى في التجمع
اليوم..أولى جلسات استئناف حكم إعدام متهم بخطف فتاة من ذوي الإعاقة
أسعار الذهب اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026.. وعيار 21 بـ6340 جنيهًا
سعر الذهب اليوم في مصر الاثنين 14 سبتمبر 2026.. عيار 21 يسجل...
سعر الدولار اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 فى مصر
أسعار العملات الأجنبية اليوم الجمعة فى مواجهة الجنيه المصري