الإثنين 19 أكتوبر 2026 07:23 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

شحاته زكريا يكتب: الجغرافيا منحتنا الموقع.. فمتى نحصل على العائد؟

الكاتب الكبير شحاتة زكريا
الكاتب الكبير شحاتة زكريا

تعالوا نتفق بلا مواربة ولا شعارات مجتزأة مصر تقع في المكان الصحيح تماما على خريطة الأرض. موقع جغرافي يثير طمع التاريخ والجغرافيا منذ أقدم العصور وطرق تجارة دولية تمر فوق رؤوسنا وبحران يحيطان بنا كالسوار وقناة سويس يعبرها نبض الاقتصاد العالمي في كل ثانية. لكن وبكل صراحة ووجع قلّ أن تجده في التقارير الرسمية الجغرافيا وحدها لا تطبخ طعاما وموقع الخريطة لا يملأ جيوب الناس والتاريخ الممتد لا يدفع فاتورة الكهرباء ولا يبني مصنعا .. السؤال الذي يتهرب منه الجميع أحيانا ويطرحه المواطن البسيط على القهوة وفي وسائل المواصلات كل يوم بمرارة متى تتحول هذه الميزة الربانية المذهلة إلى "قرش أبيض" في اقتصادنا وعائد حقيقي ينعكس على جودة حياته ومعيشته؟ طوال العقود الماضية تعاملنا مع موقعنا الاستراتيجي بمنطق "صاحب العقار" الذي يكتفي بأخذ أجرة المرور وبس سفينة تعبر فنأخذ رسوم عبورها وبضائع تمر فنكتفي بمشاهدتها وهي تلوح لنا من بعيد. لكن قواعد اللعبة في العالم اليوم تغيرت بجنون وأصبحت شرسة. لم تعد الدول تقتات على "الجعالة" أو إتاوات المواقع. العالم اليوم يتقاتل على "القيمة المضافة" ماذا تضيف لهذا المنتج وهو يمر فوق أرضك؟ كيف تحول السفينة العابرة إلى فرصة لتصنيع، وتجميع، وتخزين، وتصدير؟ كيف تجعل من الميناء رصيفاً لمدينة صناعية كبرى لا مجرد موقف عبور عابر ومؤقت؟ المشكلة الحقيقية أننا أحيانا نقف في منتصف الطريق نبني بنية تحتية جبارة
 وطرقا وموانئ عملاقة تفتح النفس وتستحق كل تقدير لكنها تظل إن لم ترتبط بشرايين إنتاج حقيقية وتصنيع حقيقي مجرد شرايين بلا دم. الطريق الذي لا يقود إلى مصنع والميناء الذي لا يحط بجانبه مستثمر ينتج ويصدر يظلان مجرد أرقام فخمة في التقارير لا يشعر بها فلاح في دلتا مصر ولا عامل في مدن الصناعة الكبرى. وما يضاعف من خطورة الموقف ويدق ناقوس الخطر، هو أن الجغرافيا تماما مثل الأصدقاء أحيانا "تخونك" حين تشتعل الأزمات من حولك. اضطراب الملاحة في البحر الأحمر حروب الإقليم المشتعلة وتغير مسارات التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن.. كلها صفعات قاسية توقظنا على حقيقة مرعبة: الاعتماد على "ميزة المرور وحدها" مغامرة كبرى تشبه من يضع بيضه كله في سلة واحدة. الاقتصاد القوي لا ينام على وسادة الموقع الجغرافي بل يمتلك مصانعه، وصادراته، وتكنولوجيا إنتاجه، وقدرته على الوقوف على قدميه حتى لو توقفت حركة التجارة في العالم أجمع. الناس لا تهتم كثيرا بتصانيف البنك الدولي ولا بلغة الأرقام الصماء في نشرات الأخبار. المواطن يريد معادلة بسيطة وعادلة لا تحتمل القسمة على اثنين: إذا كانت مصر هي قلب العالم النابض،
 فلماذا ينعكس هذا النبض أحيانا تعبا وإرهاقا في معيشته اليومية؟ الإجابة ببساطة هي أن العائد الاقتصادي لا يجب أن يحبس في دفاتر الموازنة أو يُقاس بمعدلات النمو وحدها بل يجب أن يتحول إلى فرص عمل حقيقية تخطف الشباب من شبح البطالة، وسلع تناسب دخل الأسرة ومدارس تفهم لغة العصر واقتصاد أصلب لا تهزه رياح الصدمات الخارجية.
الجغرافيا منحتنا الهدية الكبرى.لكن التاريخ لن يرحمنا إن اكتفينا بالنظر إليها من شرفات القصور والمكاتب الوثيرة.
مصر اليوم لا تحتاج إلى من يثبت للعالم أهميتها، فذلك تحصيل حاصل، بل تحتاج إلى من يحول هذه الأهمية الاستراتيجية إلى "خبز دافئ" على طاولة المواطن وصناعة وطنية تنافس في كل أسواق الأرض وعائد محسوس يثبت أننا لسنا مجرد ممر إجباري للآخرين بل.. صناع مستقبل حقيقيون. فالجغرافيا منحتنا الموقع والتاريخ أكد قيمته أما المستقبل فسوف يتحدد بقدرتنا على تحويل هذه الميزة العبقرية إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص حقيقية لا تتبخر مع أول أزمة عالمية. عندها فقط لن يكون السؤال القاسي متى نحصل على العائد؟ بل: كيف نضاعف هذا العائد ونضمن أن يصل أثره المباشر إلى الاقتصاد والمجتمع معا ليكون المواطن هو المستفيد الأول والأخير من عبقرية هذا الوطن.

شحاته زكريا الجغرافيا منحتنا الموقع.. فمتى نحصل على العائد؟ الجارديان المصرية ⇧