الإثنين 19 أكتوبر 2026 07:23 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودي يكتب: الدين لله.. والوطن للفهلوية وكدّابين الزفة!

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في زمن اختلطت فيه الشعارات بالمصالح، وأصبح الكلام عن الوطنية أسهل من ممارستها، والحديث عن الدين أيسر من الالتزام بقيمه، يفرض الواقع سؤالًا سياسيًا بالغ الأهمية: كيف تحوّل الوطن في نظر بعض المتاجرين بالشعارات إلى غنيمة يتسابقون على اقتسامها، بدلًا من أن يكون مسؤولية يتنافس الجميع على حمايتها وبنائها؟
«الدين لله.. والوطن للفهلوية وكدّابين الزفة» ليست مجرد عبارة ساخرة، بل صرخة سياسية في وجه كل من اتخذ من الدين ستارًا لتحقيق مصالحه، ومن الوطنية سلعة يروّج بها لنفسه، ومن الجماهير وسيلة للوصول إلى السلطة أو النفوذ أو المكاسب الشخصية.
فالدين قيمة أخلاقية وإنسانية، جوهرها الصدق والأمانة والعدل والرحمة، وليس لافتة تُرفع عند الحاجة، ولا خطابًا يُستخدم لإسكات المعارضين أو تخوين المختلفين. والوطن ليس ملكًا لفئة دون أخرى، ولا مزرعة خاصة لأصحاب المصالح، ولا منصة يتسلق عليها الباحثون عن الشهرة والمناصب، بل هو حق مشترك ومسؤولية عامة، يدفع المواطنون ثمن حمايته وبنائه من أعمارهم وأرزاقهم وأحلام أبنائهم.
المشكلة الحقيقية ليست في الشعارات الدينية أو الوطنية ذاتها، وإنما في الذين يفرغونها من مضمونها، ويحوّلونها إلى أدوات للمناورة السياسية. يظهر أحدهم أمام الناس بوجه الواعظ الأمين، بينما تكشف مواقفه عن تناقض صارخ بين ما يقول وما يفعل، ويرفع آخر راية الوطن في كل مناسبة، لكنه لا يتذكر من الوطن إلا ما يحقق له مصلحة، ولا يتحدث عن المواطن إلا عندما يحتاج إلى صوته أو تأييده.
وهنا تبدأ الحكاية التي يعرفها الناس جيدًا؛ حكاية الفهلوة السياسية التي تتقن فن تغيير المواقف، وتبديل التحالفات، وتلوين الكلمات وفق اتجاه الريح. فصاحب المصلحة لا يلتزم بمبدأ بقدر التزامه بما يضمن بقاءه في الصورة، ولا يقيس نجاحه بما يقدمه للمجتمع، وإنما بقدر ما يقترب من دوائر النفوذ، ويحصل على نصيبه من المكاسب.
أما «كدّابو الزفة»، فهم أولئك الذين يتقنون صناعة المشهد أكثر من صناعة الإنجاز؛ يملؤون الدنيا ضجيجًا عند حضور المسؤولين، ويتبارون في كلمات الإشادة والثناء، ويصنعون من كل خطوة عادية ملحمة تاريخية، ومن كل قرار مناسبة للاحتفال، ومن كل مسؤول بطلًا استثنائيًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هؤلاء لا يخدمون الوطن كما يتصورون، بل يضرونه من حيث يدّعون خدمته؛ لأنهم يحاصرون المسؤول بالحكايات الجميلة، ويقدمون له صورة مزيفة عن الواقع، ويخفون عنه مواطن الخلل، ويجعلون التصفيق بديلًا عن التقييم، والمجاملة بديلًا عن النصيحة، والدعاية بديلًا عن الحقيقة.
والأخطر من ذلك أن الزفة السياسية لا تتوقف عند حدود المبالغة في المدح، بل قد تتحول إلى وسيلة لإقصاء أصحاب الرأي المختلف، والتشكيك في نوايا المنتقدين، وتصنيف كل من يطرح سؤالًا صعبًا باعتباره عدوًا للنجاح أو خصمًا للوطن. وهنا يصبح الخطر حقيقيًا؛ لأن الدولة التي لا تسمع إلا المديح تفقد قدرتها على اكتشاف أخطائها، والمجتمع الذي يخشى النقد يفقد إحدى أهم أدوات الإصلاح.
إن الوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى مكبرات الصوت كي تثبت وجودها، ولا إلى حفلات التصفيق كي تؤكد صدقها. الوطنية تُقاس بقدرة السياسات العامة على تحسين حياة المواطنين، وباحترام القانون، وصيانة المال العام، وتكافؤ الفرص، ومكافحة الفساد، وحماية كرامة الإنسان، وإتاحة المجال للمحاسبة والمساءلة.
فما قيمة الحديث عن حب الوطن إذا كان المواطن البسيط يواجه أعباء المعيشة وحده؟ وما جدوى الاحتفال بالإنجازات إذا لم تصل ثمار التنمية إلى مستحقيها؟ وما معنى المسؤولية السياسية إذا أصبح الاعتراف بالخطأ عيبًا، ومراجعة القرارات ضعفًا، ومصارحة الناس مخاطرة لا يرغب أحد في تحملها؟
إن السياسة ليست مسابقة في البلاغة، ولا مسرحية تتوزع فيها الأدوار بين بطل ومصفق ومصفق أكبر. السياسة مسؤولية عن حاضر الناس ومستقبلهم، واختبار يومي لقدرة المسؤول على اتخاذ القرار الصحيح، حتى لو لم يكن القرار الأكثر شعبية، وعلى مواجهة الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، وعلى تقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والحزبية والانتخابية.
ومن هنا، فإن أخطر ما تواجهه الحياة السياسية ليس وجود أصحاب المصالح وحدهم، فالمصالح جزء من طبيعة المجتمعات، وإنما أن تتحول المصلحة الخاصة إلى معيار للحكم على المواقف، وأن يصبح القرب من السلطة أهم من الكفاءة، وأن يتقدم المنافق على صاحب الرأي، ويُهمَّش المخلص لأنه لا يجيد التطبيل، ويُكافأ صاحب الضجيج لأنه يتقن صناعة الانطباعات.
وليس معنى ذلك أن كل من يمدح مسؤولًا منافق، أو أن كل من يعارض قرارًا وطنيته محل شك، أو أن كل عمل رسمي يخلو من الإنجاز. إنما المعيار العادل هو الحقيقة: هل هناك عمل ملموس؟ هل تحققت نتائج يمكن قياسها؟ هل خضع القرار للنقد والتقييم؟ وهل استفاد المواطن من السياسات التي رُفعت باسم الوطن؟
هذه الأسئلة هي التي تميز الدولة التي تحترم عقل مواطنيها عن المشهد الذي يستهلك عواطفهم، وهي التي تضع حدًا للفهلوة السياسية التي تراهن على النسيان، وتظن أن كثرة الكلام يمكن أن تمحو آثار الأفعال.
أما المواطن، فلا ينبغي أن يكون مجرد متفرج في زفة سياسية طويلة، ولا مستهلكًا للشعارات، ولا تابعًا يصفق لكل من يرفع راية أو يردد عبارة مؤثرة. فالمواطنة الحقيقية تبدأ بالوعي، وبالقدرة على التمييز بين الإنجاز والدعاية، وبين النقد الهادف والتشويه، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات الهدم، وبين المسؤول الذي يعمل من أجل الناس وآخر يبحث عن الناس ليصنع منهم جمهورًا لنفسه.
إن بناء الأوطان لا يحتاج إلى تجريم الاختلاف، بل إلى تنظيمه في إطار القانون، ولا يحتاج إلى إسكات الأصوات، بل إلى الاستماع إليها وتمييز الصحيح من الخاطئ بالحجة والدليل. كما لا يحتاج إلى تحويل كل مسؤول إلى رمز فوق النقد، وإنما إلى مؤسسات قوية تضمن أن الجميع، مهما علت مناصبهم، يخضعون للقانون والمساءلة.
والحقيقة التي يجب أن تبقى واضحة أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأغلى من التحالفات المؤقتة. فلا مسؤول يختصر الدولة في شخصه، ولا حزب يحتكر الوطنية، ولا تيار يملك وحده صكوك الإخلاص، ولا جماعة تستطيع أن تجعل مصالحها الخاصة مرادفًا لمصلحة المجتمع كله.
أما الدين، فليس ملكًا للمتاجرين به، ولا غطاءً يمنح أحدًا حصانة أخلاقية أو سياسية. فمن أراد أن يتحدث باسمه، فليبدأ بالصدق، ومن أراد أن يرفع راية الوطنية، فليبدأ بالعمل، ومن أراد أن يحظى باحترام الناس، فليدرك أن الذاكرة الشعبية قد تتأخر في إصدار أحكامها، لكنها لا تُبنى إلى الأبد على الخطب والصور والاحتفالات.
وفي النهاية، لا نريد وطنًا تحكمه الفهلوة، ولا حياة سياسية تُدار بالمجاملات، ولا مشهدًا عامًا يعلو فيه صوت المصفقين على صوت أصحاب الخبرة والكفاءة، ولا خطابًا دينيًا يتحول إلى وسيلة للنفوذ والمكاسب. نريد وطنًا تكون فيه الكفاءة معيارًا، والقانون مرجعية، والشفافية قاعدة، والمحاسبة حقًا، وكرامة المواطن غاية لا شعارًا موسميًا.
الدين لله، والوطن لكل أبنائه، أما الفهلوة فليست سياسة، والتطبيل ليس إنجازًا، والنفاق ليس وطنية، وكثرة التصفيق لا تصنع دولة.
فالأوطان لا تُبنى بمن يجيدون إقامة الزفة، وإنما بمن يعملون حين تنصرف الكاميرات، ويقولون الحقيقة حين يخشى الآخرون قولها، ويتحملون المسؤولية حين يتراجع أصحاب المصالح، ويتركون وراءهم أثرًا يلمسه الناس، لا مجرد كلمات تتردد في الهواء.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل مشهد سياسي: من الذي يخدم الوطن فعلًا، ومن الذي يستخدم الوطن ليخدم نفسه؟
عند الإجابة عن هذا السؤال، تسقط الأقنعة، وتنكشف الشعارات، ويعرف الناس أن الوطنية ليست ادعاءً يُقال، بل مسؤولية تُمارَس، وأن التاريخ لا يكتب صفحاته الأخيرة بأصوات المصفقين، وإنما بمواقف الرجال وحقائق الأفعال.

حسين السمنودى الدين لله.. والوطن للفهلوية وكدّابين الزفة الجارديان المصرية ⇧