الجمعة 23 أكتوبر 2026 01:16 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومى يكتب من كندا: من ”سر الأسرار” إلى ”الأمير” ورفاقه: سرقات بعضها فوق بعض!

الكاتب الكبير عصام بيومى
الكاتب الكبير عصام بيومى

.. ويبقى السؤال مطروحاً: لماذا لا يكون هناك كتب أخرى غير "نصيحة الملوك" للغزالي، يمكن أن يكون قد أخذ منها مكيافيلي ورفاقه الأوروبيون أفكارهم، وطوروها، كل بحسب غرضه، ليخفوا معالم الجريمة؟
للآن، وعندما يُذكر تاريخ الفكر السياسي الحديث، يُقدم مكيافيلي وكتابه "الأمير" بوصفهما نقطة تحول كبرى في فهم أمور السلطة والحكم. أما ما كُتب قبل ذلك في الحضارة الإسلامية عن الحاكم والدولة والعدل والوزراء وإدارة الرعية، فهو مُغْفل ومُتَجاهَل، وكأنه ينتمي إلى تاريخ منفصل أو عالم آخر. وهذا أمر يجب وقفه لإعادة الاعتبار للفكر الإسلامي والمفكرين العرب والمسلمين وانتزاع الاعتراف بأنهم هم مؤسسو الحضارة الحديثة الفعليين وأن الأوروبيين كانوا عالة عليهم، في الفكر والتطبيق، في العلوم الإنسانية والطبيعية.

لقد صور أعداء الإنسانية أوروبا على أنها كانت جزيرة فكرية معزولة، ولم تسمع عن شيء اسمه الحضارة الإسلامية. والحقيقة أنه قبل قرون من مكيافيلي، وجاليليو، ونيوتن، كانت مراكز العلم في العالم الإسلامي مقصدًا للباحثين والمترجمين، الأوروبيين وغيرهم. وكانت مدن مثل طليطلة وغيرها من مراكز الترجمة جسورًا انتقلت عبرها مؤلفات عربية إلى اللاتينية. ويوثق مؤرخ العلم تشارلز برنيت أن القرنين 12و 13، شهدا حركة واسعة لترجمة العلوم والفلسفة من العربية إلى اليونانية واللاتينية، وأن هذه الحركة أسهمت في تحولات مهمة في المعرفة الأوروبية.

لم تكن هذه الحركة مجرد نقل لكتب الطب والرياضيات والفلك؛ بل شملت الفكر الذي يسمونه الفلسفة أيضًا. وانتقلت عبرها أعمال ابن سينا وابن رشد والغزالي وغيرهم إلى دوائر الدرس والبحث في أوروبا. وهذا يعني أن افتراض القطيعة الفكرية الكاملة بين الحضارتين افتراض لا يستقيم مع أي منطق.
وفي زمن لم تكن فيه "حقوق الملكية الفكرية"، أمرا محكوما كان من السهل أن تنتقل  الأفكار عبر الترجمة أو الدراسة في الجامعات الإسلامية، ثم تُسرق وتظهر في صورتها الأوروبية بصياغات مختلفة، في غياب أي سلطة محاسبة أو مراقبة إسلامية، خصوصاً بعد سقوط الأندلس؛ سرقات بعضها فوق بعض. وأشرت سابقا إلى أبحاث د. فؤاد سيزكين في هذا الصدد.
وبمزيد من البحث وجدت، أمثلة أخرى سبقت كتاب مكيافيلي، والغزالي معا، منها "الإشارة في تدبير الإمارة" لأبي بكر الحضرمي، وصدر حوالي عام 1056م. وآخر يعد مثالا صارخا على السرقة والاقتباس في آن معا، وهو كتاب "سر الأسرار"، ويرجع للعام 940م.

وقد نُسب الكتاب الأخير في "التقليد الوسيط" إلى أرسطو، ظلما وافتراء. والتقليد الوسيط هو مدارس الفلسفة التي تأثرت بأرسطو في العصور الوسطى.  لكن البحث الحديث أثبت أنه ليس كتابًا أصيلًا له وأنه مؤلَف عربي وصل إلى أوروبا في ترجمات لاتينية، وأصبح من أكثر الكتب  تأثيراً في العصور الوسطى الغربية، في مجال نصائح الحكم وتدبير شؤون الأمير.

وتحتفظ المكتبة البريطانية بمخطوطة لاتينية لهذا الكتاب، أعدها والتر أوف ميلميت، مستشار الأمير إدوارد الثالث لتعليمه أصول الإمارة قبل أن يصير ملكا في القرن 14، ولا تشير إلى المؤلف الأصلي.
وقد أجمع مؤرخو الفلسفة (ومنهم الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي حقق كتاب "سر الأسرار" ونشره عام 1954م) على أن الكتاب صيغ ووُضع أساساً باللغة العربية في العصر العباسي. كما أثار الباحث رضوان السيد، في سياق حديثه عن الكتاب، مسألة التشابه اللافت بين «الأمير» وبعض مؤلفات التدبير السياسي العربية، وخاصة كتاب الحضرمي. وهناك أيضا كتاب مكيافيلي، الإسلام والشرق، إصدار "بالجريف ماكسميلان"، ويضم فصلًا عنوانه: "الجذور الإسلامية لفكر مكيافيلي؟ الأمير وكتاب سر الأسرار من بغداد إلى فلورنسا والعودة".

وتكتسب المسألة بُعدًا أعمق عند الحديث عن مصير الكتب العربية والإسلامية في الأندلس بعد سقوط غرناطة عام 1492، ثم موجات مصادرة الكتب وإحراقها التي شهدتها المرحلة التالية. وقد أشار البروفيسور الأمريكي روي كاساجراندا، كما ذكرت سابقا، إلى احتفاظ الأوروبيين بكثير من أمهات الكتب العربية والإسلامية آنذاك.
والشاهد في كل ذلك هو التشابه أو شبه التطابق في الأفكار والسياقات بين الكتب العربية الثلاثة وكتاب مكيافيلي.  لكننا لسنا بصدد إدانة مكيافيلي أو غيره كي ننصف التراث الإسلامي، فهذا مقام آخر لم يحن وقته ولا مقوماته. المطلوب فقط ألا نحكم على هذا التراث بالنسيان، وألا نستسلم ونتركه يذهب مع الريح بلا رجعة. فوسط الهجمة الصهيوماسونية العاتية على الإسلام في كل مكان وخاصة في الغرب نحتاج نحن إلى استنقاذ كل ذخائر ومقومات عظمتنا الراسخة ووضعها في وجه عالم يريد أن يساوي النور والظلام والمنهج الكامل النظيف بالمناهج المنقوصة المشوهة.


المشكلة الأخطر هنا، وكما أشرت في مقالات سابقة، هي أننا برغم كل محاولاتنا الدؤوبة لاستكشاف ما كان فربما لن نصل إلى إثبات حقيقة حدوث السرقات والاقتباسات الفكرية، كلها أو أغلبها، لسبب بالغ الأهمية هو أن أعداء الإنسانية ما فتئوا يشوهون الفكر ويدمرون الأثر التاريخي للمراجع ويحجبون سجلاتها بما يصعب أو قد يحول تماما دون رصدها وتتبعها وإثباتها بشكل كامل.

[email protected]

عصام بيومى من ”سر الأسرار” إلى ”الأمير” ورفاقه: سرقات بعضها فوق بعض! الجارديان المصرية ⇧