الخميس 29 أكتوبر 2026 02:55 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. ريهام نبيل حفناوي تكتب : إلى أميرة القلوب

د. ريهام نبيل حفناوي
د. ريهام نبيل حفناوي

من "مجموعة الثلاثين" إلى روح الجميلة ريم حافظ البقري ... 

نكتب لكم اليوم وفاءً ... ونبعث إليكم بكلماتنا لتكون شاهدًا على محبتنا، وصوتًا لقلوبنا التي أبت إلا أن تقف وقفة وفاء لمن رحلت عن دنيانا، ولكنها لم ترحل عن قلوبنا... فالأثر باقٍ...


من الأفعال المؤلمة في لغتنا العربية .... تلك التي يعجز اللسان عن نطقها ويأبى القلب تصديقها ويقف العقل مشتتا أمام وقعها ... فعل من ثلاث أحرف ولكنه يحمل من الوجع ما لا تحمله آلاف الكلمات .... فعل "مات" ... عندما نبحث عن معناه في معاجم اللغة، نجد تعريفا موجزا لا يتجاوز كلمات معدودة: "زوال الحياة عن كل كائن حي".

يا لقسوة المعني ... فهيهات بين ما تسطره المعاجم وما تحفره الأحزان ... ما أشد الفارق بين موت نسمع تعريفه وموت نعيشه ... فرغم إيماننا أن الموت حق ... وأن كل نفس ذائقة الموت ... ورغم أننا نرضى بقضاء الله رضا لا يخالطه اعتراض إلا أننا نتألم ونحزن لأننا بشر

حين يطوف الموت بأحيائنا ... ويمر على وجوه ألفناها ... وأرواح أحببناها ... وقلوب سكنت قلوبنا ... ثم يختار من بيننا وجها كان بالأمس يبتسم ... وصوتا كان معنا توا يضحك و يعلو ... وروحا كانت بيننا تنبض بالحياة ... تهتز القلوب من هول الفاجعة وتضيق الكلمات عن وصف المصيبة ... والمصيبة في الحقيقة ... مصيبة الأحياء الذين يتجرعوا من ألم الفراق ... لا من رحلوا إلى رحمة الله ... فالراحلون الأتقياء رحلوا إلى ما أعد الله لهم من نعيم ... أما الباقون من ذويهم يحملون ثقل الغياب ويواجهون وحشة الأماكن ويبحثون في تفاصيل الأيام عن ملامح من غابوا ... نبحث عنهم بين طيات الصور وفي قصاصات الورق ... بين الكلمات وفي الذكريات ... في ضحكة لن ننساها وفي حديث لم يكتمل ...

ولأن الله رحيم بعبادة ... عليم بما تخفي الصدور ...جعل للصبر أجرا وللابتلاء حكمة وللقلوب المنكسرة بابا لا يغلق من رحمة الله ...  ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155–156].

نجاهد أنفسنا كي نصبر ونواسي قلوبنا كي ترضى ونذكر أنفسنا بأن لله في أقداره حكمة ... نعود إلى الله ونلتمس منه الصبر حين يضيق الصدر والرحمة حين يشتد الحنين.

ولكن .... الحياة لا تكف عن ابتلاء القلوب ...
اليوم نبعث إليكم بكلماتنا لنرثي صديقة لم يعرفها كثيرون منا منذ 
 عرفناها منذ ما يزيد على عامين... خلال مشروع جمع بين ضفتي المتوسط... بين زملاء من مصر وفرنسا... جمعنا فيه العمل، وقرّبت بيننا الأفكار، ووحّدتنا الأحلام بأن نحقق النجاح...
عرفناها زميلة مثابرة، وصديقة حاضرة دائمًا بجانب الجميع... روحًا لا تعرف الكلل ولا تمل العطاء...
عملنا معًا في فرق متعددة... ولم نختلف يومًا على قيمة العمل ولا على جمال الصحبة.
رافقتنا ريم في أيام كثيرة من رحلاتنا، وتقاسمنا ساعات العمل وأحاديث الطريق وضحكات التعب ولحظات التوتر وأحلام النجاح... وتفاصيل صغيرة لم نكن نعلم يومها أنها ستتحول إلى ذكريات لا تُنسى...

لم تكن ريم ممن يكتفون بأداء الواجب ... بل كانت تبادر قبل أن تطلب منها المبادرة ... وتعين قبل أن يطلب منها العون وتمنح من وقتها وجهدها وقلبها ... كأن سعادة الأخرين بعض من سعادتها. كانت خفيفة الروح ... محبة للحياة ... قريبة من الناس ... لا تثقل على أحد وإن اثقلها الألم ولا تبخل على أحد إن كانت هي أحوج ما تكون إلى العون.

ثم داهمها المرض في جولة جديدة لم نكن نحسبها الأخيرة ... داهمها هذا القبيح اللعين الذي لا يرحم حين يشتد ... حاربته ريم جولات وكانت تتغلب عليه ... حاربته بما استطاعت من قوة ... وواجهته بما حملت من أمل ... وتشبثت بالحياة لأنها كانت تحب من فيها... كانت تريد أن تبقى ... أن تحيا ... أن تعمل ... وأن ترى أبنائها ... أن تواصل أحلاما لم تكتمل بعد.
قاومت بجسد أتعبه المرض وبروح لم يقوى المرض على اخماد نورها.

وفي النهاية غلب المرض جسدها ولكنه لم ولن يغلب محبتها في القلوب ... ولم ولن يمح أثرها في النفوس ... ولم ولن ينتصر على كل ذلك الخير الذي تركته وراءها. فليست كل معركة تقاس نهايتها ببقاء الجسد ... رحلت ريم ويبقى أثرها في كل دروب الحياة التي سلكتها. غاب صوتها وبقي صداه يعلو في كل سماء يخبر الجميع بصنعها. توقفت خطواتها في الدنيا ولكن أثر علمها سيرفع عملها لأعلى عليين.

إلى أسرة ريم الكريمة ... 

أعلم أن كلمات المواساة ... مهما بلغت من البلاغة ... لا تملأ فراغ ريم الأبنة البارة والأم المخلصة ... ولا تعوض دفء مكانها ولا تعيد صوتا كان يملأ البيت حياة ... ولن أقول لكم أن الأيام تنسى فقد الأحباب ... فبعض القلوب لا تعتاد الفقد وإن تعلمت التعايش معه...ولكن ناكد لكم أن ريم المحبة لكم لم تكن جميلة في عيونكم وحدكم ... لقد كانت جميلة في عيون كل من عرفها ... وأن ما زرعته من محبه في قلوب البشر سيظل شاهدا على سيرتها. وحين تشتاقون إليها فتذكروا أن لها في قلوبنا مكانا ... وأن الدعاء لها لن يكن حكرا علي بيتها بل سيظل يفيض من قلوب احبتها.

وإلى تلاميذها ... من زرعت فيهم حصاد علمها 

قد يغيب الأستاذ عن قاعة الدرس ... لكن أثره لا يغيب عن العقول التي أنارها... فالأستاذ الحقيقي من يترك أفكارا تنمو وقيما تعيش وأثرا يتجدد كلما حمل أحد تلاميذه شيئا من علمه ... فاجعلوا علمها الذي تعلمتموه صدقة جارية ... وانقلوا ما نفعكم إلى غيركم ... ليبقى عطاؤها ممتدًا.


إلى أصدقائها المخلصين ...

لا تجعلوا اخر عهدكم بريم دموع الفراق ... بل أجعلوا من ذكراها عهدا بالمحبة ... ومن سيرتها دعوة إلى العطاء ومن رحيلها عبرة بأن الحياة أقصر من أن نأجل كلمة طيبة.


أما نحن يا ريم "مجموعة الثلاثين" ...

فلن ننس أحاديثنا ولن ننس تلك الأيام التي جمعتنا ولم نكن نعلم أنها تمضي بنا إلى وداع ....
سنذكرك كلما تذكرنا رحلاتنا وكلما رأينا صورًا جمعتنا يومًا ... وكلما مر بخاطرنا موقف كنت فيه حاضرة بروحك الجميلة ... سنذكرك في كل لقاء يجمعنا... وفي كل حديث نستعيد فيه أيامنا... وفي كل نجاح نحققه ... فبعض الناس لا يحتاجون إلى عمر طويل في الحياة كي يتركوا أثرا عميقا في قلوبنا...

يا ريم ... أحببت الحياة ومنحتيها من روحك ما استطعت وإن غبت اليوم عنها فإن محبتك لن تغيب ... رحلتِ عن أعيننا، ولم ترحلي عن ذاكرتنا...غبتِ عن لقاءاتنا، وبقيتِ في حكاياتنا... فالأثر باق ... الأرواح الطاهرة لا تفارق ... بل تبقى وتطوف بأحيائنا لتهون علينا الرحلة .... 

نسأل الله أن يجمعنا بكِ في جنات الخلود، حيث لا مرض ولا ألم، ولا فراق ولا حزن... وإنا لله وإنا إليه راجعون.

د. ريهام نبيل حفناوي إلى أميرة القلوب الجارديان المصرية ⇧