خالد درة يكتب : بالعقل أقول …( نكسة يونيو أم وكسة رئيس … )


لم تكن هزيمة ٦٧ عادية ، وهي لم تُصب الجيش فقط. إنّها هزيمة نظام سياسيّ واجتماعيّ وفكريّ، وهزيمة رؤيتنا للعالم ولمكاننا فيه . .
وبالتّالي لا ينبغي أن ينحصر تفسير الهزيمة في النّواحي العسكريّة. ولكنْ إذا أردنا البدء بالشّكل العسكريّ للهزيمة، نرى أنّها تطرح أسئلة صعبة لا أظنّ أنّنا تمكّنّا بعد من الإجابة عليها ..
فعلى مدار سنوات قيل لنا أنّنا نملك أقوى جيشٍ في الشرق الأوسط، وفي الذّكرى الرّابعة عشرة للثّورة، أي في ٢٣ يوليو ١٩٦٦، أقيم عرض عسكريّ مبهر شهده عبد النّاصر مع قادة الجيش، وعندما بدأت عمليّة التعبئة في العام التّالي وقد شاهد الملايين من سكّان القاهرة قوّات الجيش وهي تخترق شوارع العاصمة في طريقها للجبهة في مشهد أقرب إلى استعراض عسكريّ منه إلى حشدٍ تعبوي. كان مشهد الجيش مبهراً، وكان يحقّ للمصريّين أن يفتخروا بأنّ جيشهم من أكبر جيوش المنطقة ..
فالجيش امتلك أكثر من ١٣٠٠ دبابة (إسرائيل كانت تمتلك ١٠٠٠)، وأكثر من ١٠٠٠ مدرّعة حاملة للجنود (إسرائيل: ١٥٠٠)، و٩٥٠ بطاريّة مضادّة للطّائرات (إسرائيل: ٥٥٠)، و٤٣١ طائرة مقاتلة (إسرائيل: ٢٨٦). ودأبتْ وسائل الإعلام كلّها في كلّ شهرٍ على نقل أخبار الانتصارات التي كان يحقّقها الجيش بالفعل في اليمن، وكانت تتوعّد بالهزائم التي سيوقعها حتماً جيشنا الجرّار بإسرائيل في المعركة المرتقبة ..
وفي يوم ١ يونيو صدحت أمّ كلثوم بأغنية «راجعين بقوّة السلاح» في سينما قصر النّيل .. وكان الثّنائي صلاح جاهين ورياض السّنباطي قد فرغا لتوّهما من الأغنية ولم يتسنَّ لأمّ كلثوم أن تحفظها ، لذا نراها هنا ووراءها ملقّنٌ يذكّرها بالكلمات ..
وفي صباح ٥ يونيو ، يوم بدء القتال ، عنونت صحيفة «الأخبار»: «بعد انضمام العراق إلى اتّفاق الدّفاع المشترك مع الأردن عبد النّاصر يعلن للعالم والأمّة العربيّة : إنّنا ننتظر المعركة على أحرّ من الجمر» ..
ولكن عند التّاسعة إلّا ربعاً من صباح هذا اليوم المشؤوم ، ضرب الطّيران الإسرائيلي عدداً من المطارات ، وكان من نتاج الغارات الإسرائيليّة المتتالية أن دُمر ٨٥ في المئة من سلاح الجوّ المصري ، وأصبح ١٠٠ ألف جندي في سيناء بلا غطاء جوّي ..
وما هي إلّا ٣٦ ساعة حتّى أصدر نائب القائد الأعلى للقوّات المسلّحة قرار الانسحاب المشؤوم .. وطوال يوم ٧ أخذ سكّان القاهرة يشاهدون فلول الجيش زاحفين عليها في البداية ثمّ على شوارع وميادين العاصمة ، الشوارع والميادين نفسها التي استعرضوا فيها قوّتهم منذ أيام قليلة خلَتْ ، وعلى الرّغم من ذلك ، كان المصريّون يسمعون عبد الحليم حافظ يغنّي «يا أهلاً بالمعارك»، وأحمد سعيد في صوت العرب يبشّرهم بأنّ طلائع الجيش على أبواب تلّ أبيب ، وقد بشّرت صحيفة «المساء» المصريّين بأنّ النّصر أمسى قاب قوسين أو أدنى ..
وبحلول يوم ٨ يونيو كان قد سقط من الجيش العربيّ الزّاحف نحو تلّ أبيب عشرة آلاف جنديّ ، أي عُشر عدد جنوده الذين حشدوا للجبهة ، و١٥٠٠ ضابط ، كما وقع في الأسر خمسة آلاف جنديّ و٥٠٠ ضابط (بناءً على ما جاء في خطاب عبد النّاصر الذي ألقاه يوم ٢٣ نوفمبر ١٩٦٧) ..
وبالإضافة إلى تدمير سلاح الطّيران ، فقد ترك الجنود وراءهم ٨٥ في المئة من عتاد الجيش ، من دبّابات ومدرّعات ومدافع وأمسى الطّريق للقاهرة مفتوحاً ، والبلد بلا جيش يحميه ..
و كانت أشهر تفسيرات الهزيمة ما يلي ..
في خطاب التّنحّي الشّهير ، يقول عبد النّاصر : «في صباح يوم الإثنين الماضي الخامس من يونيو جاءت ضربة العدوّ موجعة وإذا كنّا نقول الآن بأنّها جاءت بأكثر ممّا توقّعناه ، فلا بدّ أن نقول فى نفس الوقت وبثقة أكيدة إنّها جاءت بأكبر ممّا يملكه ، ممّا أوضح منذ اللحظة الأولى أنّ هناك قوى أخرى وراء العدوّ ، جاءت لتصفّي حساباتها مع حركة القوميّة العربيّة ..
ولقد كانت هناك مفاجآت تلفت النّظر، أوّلها : أنّ العدوّ الذي كنّا نتوقّعه من الشّرق ومن الشّمال جاء من الغرب ، الأمر الذي يقطع بأنّ هناك تسهيلات تفوق مقدرته، وتتعدّى المدى المحسوب لقوّته ، قد أعطيتْ له» ..
والردّ على ذلك هو أنّ العدوّ جاء بالفعل من الغرب ، لكنّ هذا لم يكن نتيجة معونة تلقّاها العدوّ من حلفائه بل نتيجة المسار الذي سلكتْه الطّائرات الإسرائيليّة في الإغارة على المطارات المصريّة في العمق (عكس مطارات سيناء والقناة) ..
في خلفيّة كلّ محاولات عبد النّاصر لتفسير المصيبة كانت تجربة ١٩٥٦ مسيطرة بقوّة على تفكيره ومهيمنة على تحليلاته ، أمّا الجورنالجي (الصّحافي) الأشهر ، هيكل فقد كتب كتاباً من أكثر من ألف صفحة يكاد يؤكّد في كلّ صفحةٍ من صفحاته أنّ هزيمة ٦٧، التي غطّى على فداحتها بوصفها أنّها مجرّد نكسة ، ما هي إلّا مؤامرة لاصطياد «الدّيك الرومي»، أي الإيقاع بعبد النّاصر ، بسبب مواقفه التقدميّة المناهضة للاستعمار والمناوئة للهيمنة الغربيّة على المنطقة ..
وإن كان صحيحاً أنّ الغرب كان بالفعل متربّصاً بعبد النّاصر ، فالصّحيح أيضاً أنّ عبد النّاصر كان مدركاً لهذا التّربّص ، محذّراً منه ، إذ أعاد في أحاديثه التي سبقت الحرب على مستمعيه من الأجانب أنّ جيشه ليس مستعدّاً لها ..
أمّا الفريق أوّل فوزي فيقول في كتابه «حرب الثلاث سنوات» إنّ المشير هو المتسبّب الرّئيسي في هذه الهزيمة المروّعة ، فشخصيّة عبد الحكيم وخبرته وخلفيّته وشلّته التي أحاط نفسه بها عوامل جعلتْه غير مناسبٍ لقيادة جيش .