الثلاثاء 13 يناير 2026 02:23 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

إيهاب محمد زايد يكتب : حرب الأكواد الحية: كيف نحمي ”البصمة الوراثية” للدولة المصرية؟

اكاتب الكبير إيهاب محمد زايد
اكاتب الكبير إيهاب محمد زايد

قال أمير الشعراء أحمد شوقي في حب مصر: "أنا إن قُدّر الإله مماتي.. لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي" بكلمات "صلاح جاهين":على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء.. أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء" لكن الجمال وحده لا يحمي الثروة؛ فالتاريخ اليوم يُكتب بـ "براءات الاختراع" لا بالكلمات فحسب. وكما تغنى "الكينج" محمد منير بكلمات الخال الأبنودي: "يا حبيبتي يا مصر يا مصر.. يا مجمع الخلائق.. يا أغلى من الدقائق.. يا واحة في الطريق"

إن هذه "الخلائق" التي تمتد من ميكروبات الصحراء إلى نباتات الوديان، هي "الدقائق" الغالية التي تُسرق منا اليوم تحت غطاء البحث العلمي. إنها معركة السيادة على "البيانات البيولوجية"، حيث لا يُقاس النفوذ بما تملكه في باطن الأرض فحسب، بل بما تسيطر عليه من شيفرات وراثية فوقها.

ترابنا هو "دمنا"

إن حماية الموارد البيولوجية هي الوجه الحديث للوطنية. وكما نردد خلف شادية في "يا حبيبتي يا مصر": "ولا في الدنيا حد يحبك قدي أنا" فإن الحب الحقيقي للوطن يتجسد في حماية "جيناته" من الضياع. السيادة البيولوجية لا تسترد بالشعارات، بل بـ: التوثيق الرقمي: بنك جيني وطني محوكم. ثم التشريع الحمائي: قانون وطني ينظم الوصول للموارد الوراثية. وأخيرا الدبلوماسية الحيوية: تفعيل حق الاعتراض الدولي ضد القرصنة الجينية.

إن المورد البيولوجي هو "أرض مصرية" في صورة جزيئات؛ والسيادة عليه تبدأ بالاعتراف به كأصل قومي، وتنتهي بتحويله إلى قيمة اقتصادية تخدم "المربي" و"الباحث" و"الدولة" على حد سواء.

"الذهب السائل في عروق الأرض"

بينما ينشغل العالم بتأمين آبار النفط ومناجم الذهب، تنمو خلف الستار تجارة "الأكواد الحية". إن المادة الوراثية المستوطنة في بيئاتنا المصرية ليست مجرد كائنات مجهرية أو نباتات برية، بل هي "أصول سيادية غير معلنة" تمثل العمود الفقري لاقتصاد المستقبل (الاقتصاد الحيوي). إن ترك هذه الموارد دون سياج قانوني يشبه ترك حدودنا مفتوحة أمام استنزاف منظم؛ فالميكروب الذي يخرج اليوم في "أنبوب اختبار" كبحث علمي، قد يعود إلينا غداً في "حقنة دواء" بآلاف الدولارات. إنها معركة السيادة على "البيانات البيولوجية"، حيث لا يُقاس النفوذ بما تملكه في باطن الأرض فحسب، بل بما تسيطر عليه من شيفرات وراثية فوقها.

تأصيل: من الاستباحة إلى السيادة الفعلية

تُعرف السيادة البيولوجية اليوم بأنها "الأمن القومي الجيني". ففي ظل الثورة الصناعية الرابعة، أصبحت "المعلومات الوراثية" هي النفط الجديد. "القرصنة الحيوية" ليست مجرد سرقة عينات، بل هي استيلاء على "حق الابتكار" المستقبلي للدولة المصرية، مما يستدعي تحولاً استراتيجياً من وضع "المشاع" إلى وضع "الأصل الوطني المحمي".

وجبة أدبية: "سرقة الأجداد الصامتين"

في ممر مظلم داخل إحدى المقابر الملكية بالأقصر، كانت هناك "خمائر" ميكروسكوبية تنمو في صمت منذ ثلاثة آلاف عام، تكيفت مع ظلام القبور ونقص الأكسجين. التقطها باحث عابر في مسحة قطنية صغيرة لا تُرى بالعين المجردة.

بعد عقد من الزمن، حصلت شركة عابرة للقارات على براءة اختراع لـ "إنزيم ثوري" يُستخدم في تكنولوجيا النانو، مستخلص من أحفاد تلك الخمائر المصرية. الشركة الآن تبيع التكنولوجيا للعالم أجمع، بينما المقبرة المصرية التي احتضنت "المصدر" لآلاف السنين لا تملك حتى حق ذكر اسمها في ورقة البحث. لقد هاجرت "السيادة" في مسحة قطنية، ولم تترك خلفها سوى جدران صامتة.

عناصر السيادة الأربعة في الواقع المصري

أولاً: الحيازة والسيطرة (أزمة الكائنات الدقيقة)

المورد: سلالات ميكروبية من سيوة وسيناء والمواقع الأثرية Extremophiles))

مظهر فقدان السيادة: خروج العينات كمادة بحثية "مجهولة الهوية السيادية" وتطويرها خارجياً كمركبات دوائية.

تحقيق السيادة: اعتبار أي عينة بيولوجية "مورداً سيادياً" وإلزامية تسجيلها في البنك الجيني الوطني.

ثانياً: السيادة المعرفية (النباتات الطبية والتركة الشعبية)

المورد: الزعتر السيناوي، الحلفا بر، الشيح، والكركديه.

المشكلة: المعرفة التقليدية لاستخداماتها تُعامل كـ "مشاع" (Public Domain)، مما يسمح للشركات الأجنبية بتسجيلها كابتكارات خاصة.

تحقيق السيادة: إنشاء سجل وطني للمعرفة التقليدية يوثق حقوق المجتمعات المحلية ويمنع القرصنة.

ثالثاً: السيادة القانونية (نموذج نبات الهجليج)

المورد: نبات الهجليج Balanites aegyptiaca) ) واسع الاستخدام علاجياً.

الثغرة: غياب قانون ينظم "الوصول" للمورد، مما سمح بصدور براءات اختراع خارجية على مركباته دون إذن مصري.

تحقيق السيادة: تفعيل بروتوكول ناغويا واشتراط "الإفصاح عن المصدر" في أي براءة اختراع دولية.

رابعاً: السيادة الاقتصادية (سلالة النحل المصري)

المورد: سلالة Apis mellifera lamarckii المقاومة للأمراض.

الواقع: القيمة الاقتصادية والتحسين الوراثي يتمان في الخارج، بينما المربي المحلي محروم من العوائد.

تحقيق السيادة: تسجيل السلالة كأصل وراثي مصري، وربط استخدامها الخارجي باتفاقيات "تقاسم المنافع".

نماذج دولية: تجارب ناجحة في الحماية الجينية

ليست مصر وحدها في هذه المعركة، فقد وضعت دول كبرى سياجاً قانونياً لمواردها:

أ‌- البرازيل: سنت قانوناً صارماً يشترط تصريحاً حكومياً قبل لمس أي مورد جيني، مع ضمان حصة الدولة من الأرباح التجارية.

ب‌- الهند: أنشأت "الهيئة الوطنية للتنوع البيولوجي" (NBA)، ونجحت في استعادة حقوقها في محاصيل مثل "الأرز البسمتي" ومنعت تسجيل براءات اختراع أجنبية عليها.

ت‌- بيرو وكوستاريكا: تعتبران النباتات الطبية "أمناً قومياً" وتمنعان أي استغلال خارجي دون اتفاقيات قانونية مسبقة.

إحصائيات وأرقام سيادية: كنز تحت مجهر التوثيق

إن الحديث عن السيادة البيولوجية ليس مجرد طموح نظري، بل هو لغة الأرقام التي وثقها كبار علماء النبات في مصر، وترجمتها أسواق المال العالمية:

الفلورا المصرية ( (The Flora of Egypt وفقاً للموسوعة المرجعية للعلامة "لطفي بولس" (2009) وما أرسته البروفيسورة "فيفي تاكهولم"، تمتلك مصر 2145 نوعاً نباتياً برياً وعائياً. وإذا أضفنا التنوع الوراثي تحت النوعي، فإننا نتحدث عن 2365 أصلاً نباتياً تمثل جوهر البصمة الجينية المصرية.

الانفراد الوراثي (Endemism) من بين هذه الأنواع، توجد 43 سلالة نباتية مستوطنة نادرة (Endemic Plants)؛ وهي سلالات "حصرية" لمصر، لا تملك أي دولة أخرى في العالم حق ادعاء ملكيتها أو وجودها الطبيعي خارج حدودنا، مما يجعلها "أصولاً سيادية مطلقة".

السوق العالمي المعتمد على الجينات: لم تعد الجينات مجرد معلومات علمية، بل هي "عملة صعبة". يتخطى حجم التجارة العالمية المعتمدة على الموارد الجينية والمعارف التقليدية المرتبطة بها (في قطاعات الأدوية، البذور، التكنولوجيا الحيوية، ومستحضرات التجميل) حاجز الـ 800 مليار دولار سنوياً.

الفجوة القانونية: أكثر من 90% من براءات الاختراع المستندة لموارد دول نامية تذهب للغرب نتيجة غياب تشريعات "الإفصاح عن المنشأ".

التحليل الاقتصادي للسيادة:

إن امتلاك مصر لـ 2145 نوعاً نباتياً، في ظل سوق عالمي بهذا الحجم، يعني أننا نمتلك "محفظة استثمارية بيولوجية" ضخمة. فإذا استطاعت "القرصنة الحيوية" تسريب كود وراثي واحد فقط من نباتاتنا المستوطنة (الـ 43 نوعاً) وتحويله إلى عقار طبي، فإن الدولة تخسر مليارات الدولارات من حقوق الملكية الفكرية وتقاسم المنافع التي كفلها بروتوكول ناغويا.

الخلاصة والتوصيات (خارطة طريق لصانع القرار)

السيادة البيولوجية لا تسترد بالشعارات، بل بالتحول إلى:

1) التوثيق الرقمي: بنك جيني رقمي وطني لكل الموارد الحية.

2) التشريع الحمائي: قانون وطني ينظم الوصول للموارد الوراثية (على غرار الهند والبرازيل).

3) الدبلوماسية الحيوية: تفعيل حق الاعتراض الدولي ضد أي براءة اختراع تستخدم جينات مصرية دون إذن.

4) الاستغلال العادل: ربط البحث العلمي بالاستثمار الوطني لضم ان بقاء القيمة المضافة داخل مصر.

الخلاصة السيادية

إن المورد البيولوجي هو "أرض مصرية" في صورة جزيئات؛ والسيادة عليه تبدأ بالاعتراف به كأصل قومي، وتنتهي بتحويله إلى قيمة اقتصادية تضمن حق الأجيال القادمة في ثروات أجدادهم.

سوق عالمي ضخم: حجم التجارة العالمية المعتمدة على الموارد الجينية يتخطى 800 مليار دولار سنوياً.

إيهاب محمد زايد حرب الأكواد الحية: كيف نحمي ”البصمة الوراثية” للدولة المصرية؟ الجارديان المصرية