الأربعاء 14 يناير 2026 05:42 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : استعادة هيبة المدرسة المصرية… تعليم يحترم الإنسان ويصنع المستقبل

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

في لحظة فارقة من تاريخ التعليم المصري، تتكاثر الأصوات الغاضبة من فوضى المدارس، واعتداءات أولياء الأمور، وتراجع احترام الطالب للمعلم، وضياع هيبة المؤسسة التعليمية بين بيروقراطية مترهلة وواقع اجتماعي مضطرب.
لكن وسط هذا الضجيج، ينهض سؤال جوهري لا يحتمل التأجيل:
هل يمكن أن تُستعاد هيبة المدرسة المصرية… من دون خوف، ومن دون عنف، ومن دون أن نخسر روح الطفل؟
هذا السؤال هو مفتاح مستقبلنا، وهو المدخل الوحيد لإصلاح تعليمٍ يتطلع إلى أن يكون قاطرة الجمهورية الجديدة.
المدرسة… آخر حصون الدولة
ليست المدرسة جدرانًا أو حصصًا أو دفاتر حضور. المدرسة في جوهرها هي المؤسسة الوحيدة التي يمر بها كل طفل مصري، وهي التي تُشكّل وعيه الأول، وصوته الأول، وشخصيته الأولى، وانتماءه الأول.
وحين تفقد المدرسة هيبتها، يفقد المجتمع آخر حصونه، ويُصبح الطفل مشروعًا لعنف أكبر، ولامبالاة أوسع، وغيابٍ تدريجي للقيم.
إن هيبة المدرسة ليست امتيازًا للمعلمين، بل أمانًا للجيل القادم.
هيبة لا تقوم على الخوف… بل على وضوح النظام
إن أسوأ ما يهدد الانضباط المدرسي اليوم هو الخلط بين "الهيبة" و"القسوة". الهيبة الحقيقية لا تُزرع بالصراخ، ولا تُبنى بالعقاب العشوائي، ولا تُفرض بقرارات فوقية.
الهيبة تُصنع حين يعرف كل طفل ما له وما عليه، وحين يعرف كل ولي أمر كيف يتعامل، وحين يشعر كل معلم أن الإدارة سند وليس عبئًا.المدرسة التي تُدار بذكاء هي المدرسة التي تتحدث فيها القواعد بدلًا من الأصوات، ويتقدم فيها النظام بدلًا من الفوضى، ويُصبح فيها الاحترام عادة لا استثناءً.
يُخطئ من يظن أن المدير موظف إداري. المدير هو قائد مناخ مدرسي، ومهندس سلوك عام.
المدير القوي لا يظهر في مكتبه، بل يظهر في الممر، في الطابور، في لحظة الأزمة، وفي التفصيلة الصغيرة التي تمنع المشكلة قبل أن تولد.
وحين يتحول المدير إلى قائد مستنير، يعرف مهام المعلم ويصون كرامته، ويُنجز أوراقه بلا بيروقراطية، عندها فقط يمكن للمدرسة أن تتنفس الانضباط من دون أن تختنق.
ولست أبالغ حين أقول: مدير ناجح واحد قادر على تغيير مدرسة كاملة… ومدير غائب قادر على تدميرها.
لا يمكن لأي مدير مهما بلغت حكمته وقوته أن ينجح في مدرسة تحكمها الشلل الداخلية والتحالفات الخفية التي تكره النظام وتعيش على الفوضى.
وفي كثير من الأحيان، بدلًا من أن تسند الإدارة التعليمية المدير القوي، ترفع يدها وتقول: "المدير مش عارف يدير"، بينما الحقيقة أن المدير يقف وحده في مواجهة مجموعات منظمة تُفشل أي محاولة للانضباط.
إن دعم الإدارة التعليمية ليس رفاهية، بل هو واجب وطني.
عليها أن تُميّز بين مدير ضعيف ومدير محارب.بين فوضى من صنع القائد… وفوضى من صنع شلل لا تريد نجاحًا ولا نظامًا.
وعلى الإدارة التعليمية أن تكون ظهيرًا للقائد الميداني، لا مراقبًا بعيدًا يتفرج من وراء مكتب.
حين يُسند المدير في مواجهة هذه التحالفات، تستعيد المدرسة توازنها…
وحين يُترك وحيدًا، تسقط الهيبة مهما كانت نواياه طيبة وقدراته عالية.
لا يمكن للمدرسة أن تستعيد هيبتها في ظل ثقافة "اقتحام المدرسة" أو لغة التهديد أو الهجوم على المدرسة عبر السوشيال ميديا قبل المرور بالإدارة.
وعلى الوزارة أن تُعلنها بوضوح لا يحتمل التأويل:
حق ولي الأمر محفوظ… وحق المعلم مُصان… وحرم المدرسة خط أحمر
ولتكن هناك آلية واضحة لاستقبال الشكاوى، ومواعيد محددة للزيارات، وبروتوكول تواصل يحمي الجميع. فاحترام المدرسة يبدأ من بوابتها، ويكتمل عند مكتب مديرها.المعلم هو المرآة التي يرى الطفل من خلالها الدولة ،فإذا رأى الطفل معلمًا مُهانًا، سينشأ طفلًا ساخطًا لا يحترم أي سلطة. وإذا رأى معلمًا قويًّا عادلًا، سينشأ طفلًا يعرف معنى الحدود والقيم والقيادة.
إن تدريب المعلمين على إدارة الفصل، والصوت، ولغة الجسد، والعقاب الإيجابي، لم يعد رفاهية.
بل هو أهم استثمار يمكن أن تقدمه الوزارة لوطنٍ يضع التعليم في مقدمة أولوياته.
انضباط بلا عنف… واحترام بلا خوف
استعادة الهيبة لا تحتاج إلى عصا، بل تحتاج إلى:
قواعد واضحة مكتوبة
عقوبات تربوية لا تُهين ،متابعة يومية غير صدامية
وجود مدرسي حقيقي في الساحات والممرات ،بيئة نظيفة وآمنة ،تواصل محترم بين المدرسة والبيت
تعزيز السلوك الإيجابي بدلًا من الاكتفاء بمعاقبة السلبي هذه ليست أحلامًا. هذه إجراءات قابلة للتنفيذ من أول يوم، إذا امتلكت الإدارة إرادة القيادة.
ما الذي نريده من الوزارة؟ نريد من الوزارة أن ترى المدرسة كما يراها المدير والمعلم والطفل.نريد تشريعات تحمي كرامة المعلم.
نريد تدريبًا إداريًا حقيقيًا للمديرين.
نريد ضبطًا للتعامل مع أولياء الأمور.
نريد حماية أمنية في المدارس الأكثر ازدحامًا. نريد بيئة مدرسية تليق بجمهورية جديدة تُخطط للمستقبل لا تُدار باليوم بيومه.
أنا لا أكتب من مكتب مكيف، ولا من برج مراقبة، ولا من مسافة آمنة.
أنا أكتب من قلب الميدان… أصوات الطابور… سجلات المتابعة… شكاوى أولياء الأمور… ابتسامة طفل… وانكسار معلم… وصبر مدير.
أكتب لأنني أؤمن أن المدرسة ليست مؤسسة تعليم فقط…
بل مؤسسة وطن.
وأن استعادة هيبة المدرسة المصرية ليست معركة بين أطراف متصارعة…
بل مشروع دولة تريد أن تربي جيلًا يحترم نفسه ويحترم الآخر… ويحترم وطنه. وإذا كانت مصر تبني الآن جمهورية جديدة، فإن أول جدار يجب أن يُبنى… هو جدار هيبة المدرسة.

سماح عزام استعادة هيبة المدرسة المصرية… تعليم يحترم الإنسان ويصنع المستقبل الجارديان المصرية