الأربعاء 14 يناير 2026 11:55 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

إيهاب محمد زايد يكتب: السيادة البيولوجية: كيف أصبحت الموارد الجينية مسألة أمن قومي لمصر؟”

الكاتب الكبير إيهاب محمد زايد
الكاتب الكبير إيهاب محمد زايد

"بلادي بلادي بلادي… لكِ حبي وفؤادي"و من أغنية "يا أغلى اسم في الوجود" (نجاح سلام) "يا مجمعة قلوبنا.. يا منورة دروبنا" "يا نيل يا فجر يا فخر يا مصر.. يا مهد العروبة يا حضن الأمان" وأيضا من أغنية "على الربابة" (وردة الجزائرية) "حلوة بلادي السمرا بلادي.. الحرة بلادي"بالاضافة إلي من أغنية "مصر التي في خاطري" (أم كلثوم) "وبنيتِ صرحاً من جلالٍ.. فوقَ هاماتِ النجوم" "وبنيتِ مجداً من علومٍ.. ومنارةً للبحثِ والتعليم" وأخيرا من أغنية "الأرض" (سيد مكاوي - فيلم الأرض) "الأرض لو عطشانة.. نرويها بدمانا"

شفرة البقاء: السيادة البيولوجية في ميزان القوى العالمي

ليست مجرد كلمات نشدو بها، بل هي عهدٌ بحماية كل ذرة تراب، وما تحمله تلك الذرة من أسرار للحياة. ففي عالم اليوم، لم تعد السيادة مجرد علم يرفرف فوق الأرض، بل أصبحت "كوداً جينياً" يُحفظ في بنوك المعلومات. إننا نعيش عصر "الجيوبوليتيك الحيوي"، حيث أصبحت الموارد الجينية هي "النفط الأخضر" الذي تتصارع عليه الأمم لتأمين مستقبل غذائها ودوائها.

بينما تتربع خمس دول على عرش "التنوع العملاق" عالمياً (وهي: البرازيل، كولومبيا، إندونيسيا، الصين، والمكسيك) نظراً لمساحاتها الغابية والاستوائية الشاسعة، نجد في المقابل دولاً مثل أيسلندا أو الكويت تواجه تحديات الفقر البيولوجي الطبيعي. لكن العبرة لم تعد بكثرة الأنواع فحسب، بل بمدى صرامة الدولة في حماية ما تملك؛ فدول مثل البرازيل والهند تُصنف اليوم كأكثر الدول "تشدداً" في قوانين النفاذ الحيوي، حيث تفرض رقابة صارمة وشروطاً قاسية على الشركات العالمية قبل لمس أي عينة جينية من أراضيها، معتبرة إياها "أمناً قومياً" لا يقل أهمية عن أسرارها العسكرية.

ومصر، التي تقع في قلب هذا الصراع الرقمي والبيولوجي، ليست مجرد صحراء شاسعة، بل هي "مستودع وراثي" فريد. فرغم مناخنا الجاف، تمتلك مصر قرابة 2145 نوعاً من النباتات البرية و384 نوعاً من النباتات الطبية المتفردة التي لا تنمو إلا في تربتنا، بالإضافة إلى ثروة بحرية في البحر الأحمر تضم أكثر من 1200 نوع من الأسماك و300 نوع من المرجان. هذا التنوع ليس ترفاً علمياً، بل هو رصيد استراتيجي يضعنا أمام مسؤولية تاريخية: هل نترك "خيوط حياتنا" تُنسج في مختبرات الخارج، أم نعلن سيادتنا البيولوجية كجزء لا يتجزأ من أمننا القومي الحديث؟

لم تعد السيادة في عالم اليوم مقصورة على الأرض أو الحدود، بل امتدت لتشمل الموارد البيولوجية والجينية بوصفها أحد عناصر القوة الحديثة. وفي ظل ما تمتلكه مصر من تنوع بيئي فريد، تبرز السيادة البيولوجية كملف استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن القومي والتنمية المستدامة، ويتطلب إدارة واعية تحمي المورد وتحول قيمته لصالح الدولة والمجتمع.

لم تعد مفاهيم السيادة والأمن القومي في عالم اليوم مقتصرة على حماية الحدود أو امتلاك القوة العسكرية، بل امتدت لتشمل مجالات أكثر عمقًا وتأثيرًا، في مقدمتها الموارد البيولوجية والجينية.

ففي عصر الاقتصاد المعرفي والتكنولوجيا الحيوية، أصبحت الجينات، والكائنات الحية، والمعرفة المرتبطة بها، عناصر رئيسية في معادلات الغذاء والدواء والتنمية المستدامة.

ومن هذا المنطلق، تبرز السيادة البيولوجية كأحد مكونات الأمن القومي الحديث، خاصة بالنسبة لدولة مثل مصر، تمتلك تاريخًا حضاريًا وبيئيًا عريقًا، وموقعًا جغرافيًا فريدًا، وتنوعًا بيولوجيًا يمثل رصيدًا استراتيجيًا للأجيال الحالية والمستقبلية.

السيادة البيولوجية: مفهوم يتجاوز البيئة إلى الدولة

تعني السيادة البيولوجية حق الدولة في امتلاك مواردها البيولوجية والجينية، وتنظيم الوصول إليها، والتحكم في استخدامها، والاستفادة العادلة من عوائدها الاقتصادية والمعرفية.

وهي بذلك لا تُعد شأنًا بيئيًا أو علميًا فحسب، بل مسألة سيادية ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على حماية مصالحها الاستراتيجية.

فوفق تقارير دولية، يعتمد ما يزيد على 75% من المحاصيل الغذائية عالميًا على التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية، كما تدخل الموارد البيولوجية في إنتاج نسبة كبيرة من الأدوية واللقاحات والصناعات الحيوية المتقدمة.

ومن ثم، فإن فقدان السيطرة على هذه الموارد لا يعني فقط خسارة بيئية، بل فقدان أدوات قوة مؤثرة في المستقبل وللعلم فإن عدد النباتات الطبية في مصر (حوالي 384 نوعاً تقريباً) .

مصر والتنوع البيولوجي: رصيد استراتيجي متعدد الأبعاد

تتمتع مصر بتنوع بيولوجي لافت، رغم طبيعة المناخ الجاف في معظم أراضيها، وذلك نتيجة التقاء أربع مناطق بيئية كبرى: المتوسطية، والصحراوية، والاستوائية، والبحرية.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن مصر تضم:

أ‌- آلاف الأنواع من النباتات البرية، من بينها نباتات طبية وعطرية ذات قيمة اقتصادية عالية.

ب‌- تنوعًا بحريًا كبيرًا، خاصة في البحر الأحمر، الذي يُعد من أغنى بحار العالم بالشعاب المرجانية والكائنات البحرية.

ت‌- سلالات محلية من الحيوانات والنحل والمحاصيل الزراعية، تكيفت عبر قرون مع الظروف البيئية الصعبة.

هذه الموارد لا تمثل ثروة طبيعية فحسب، بل مخزونًا وراثيًا يمكن أن يسهم في تطوير زراعات مقاومة للجفاف، وصناعات دوائية وطنية، وحلول مبتكرة للتغير المناخي.

تحديات معاصرة: فجوات تنظيمية في إدارة الموارد البيولوجية

رغم هذا الرصيد، تواجه الموارد البيولوجية تحديات متعددة، لا تتعلق بنقصها، بل بكيفية إدارتها وتنظيمها.

ومن أبرز هذه التحديات:

أ‌- الفجوة البحثية

حيث تُجمع أحيانًا عينات بيولوجية لأغراض البحث العلمي، ثم تُحلل وتُطور خارج الإطار الوطني، دون ضمانات كافية لحقوق الدولة.

ب‌- الفجوة القانونية

في ظل غياب توثيق شامل لبعض الموارد أو المعرفة التقليدية، تُسجَّل براءات اختراع دولية دون ربط واضح بدولة المنشأ.

ت‌- الفجوة الاقتصادية

إذ تُصدر بعض الموارد في صورتها الخام، بينما تتحقق القيمة المضافة من تصنيعها وتطويرها في الخارج.

ث‌- فجوة التوثيق المعرفي

خاصة فيما يتعلق بالمعرفة التقليدية لدى المجتمعات المحلية، والتي تمثل أساسًا مهمًا للابتكار إذا ما جرى توثيقها وحمايتها.

هذه الفجوات لا تعني ضعف الدولة، لكنها تشير إلى حاجة ملحة لتطوير منظومة متكاملة لإدارة هذا الملف الاستراتيجي.

الإطار التشريعي: خطوات مهمة نحو التنظيم والحماية

في هذا السياق، اتخذت الدولة المصرية خطوات تشريعية مهمة لتنظيم النفاذ إلى الموارد البيولوجية وتقاسم المنافع الناتجة عن استخدامها، تنفيذًا لالتزاماتها الدولية، وعلى رأسها اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناجويا.

ويهدف الإطار القانوني الجديد إلى:

أ‌- تنظيم جمع ونقل واستخدام الموارد البيولوجية.

ب‌- ضمان تسجيل الموارد باسم الدولة.

ت‌- تحقيق تقاسم عادل للمنافع.

ث‌- فرض عقوبات رادعة على أي استخدام غير منظم.

ويمثل هذا التوجه التشريعي نقلة نوعية من التعامل مع الموارد البيولوجية باعتبارها شأنًا فنيًا، إلى إدراجها ضمن منظومة السيادة الوطنية.

من الحماية إلى القيمة: البعد الاقتصادي للسيادة البيولوجية

لا تكتمل السيادة البيولوجية بالحماية وحدها، بل بتحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية وطنية.

وتشير تقديرات دولية إلى أن الصناعات القائمة على الموارد البيولوجية، بما فيها الصناعات الدوائية والتجميلية والغذائية، تمثل مئات المليارات من الدولارات سنويًا عالميًا.

ومن هنا، فإن توطين الصناعات البيوتكنولوجية، ودعم البحث العلمي التطبيقي، وتشجيع تسجيل براءات اختراع وطنية، تمثل أدوات أساسية لتحويل المورد الطبيعي إلى قوة اقتصادية مستدامة، تخلق فرص عمل وتعزز الميزان التجاري.

المعرفة التقليدية: عنصر أصيل في منظومة السيادة

تمتلك المجتمعات المحلية في مصر رصيدًا مهمًا من المعرفة التقليدية المتعلقة باستخدام النباتات والموارد الطبيعية أن هذه المعرفة هي "الذكاء الاصطناعي الفطري" الذي يجب رقمنته وحمايته.

وتوثيق هذه المعرفة ضمن سجلات رسمية لا يحقق فقط حماية قانونية، بل:

أ‌- يحفظ التراث الثقافي.

ب‌- يدعم البحث العلمي.

ت‌- يمنح الدولة أسبقية قانونية في أي نزاعات مستقبلية.

وبذلك تصبح المعرفة التقليدية جزءًا من منظومة الأمن المعرفي للدولة.

نحو أمن قومي بيولوجي متكامل

إن الانتقال من مفهوم السيادة البيولوجية إلى الأمن القومي البيولوجي يعني إدماج هذا الملف في صلب التخطيط الاستراتيجي للدولة، عبر:

أ‌- تنسيق مؤسسي بين الجهات المعنية.

ب‌- دعم البحث العلمي الموجه.

ت‌- ربط التشريع بالتنفيذ.

ث‌- تحقيق توازن واعٍ بين التعاون الدولي وحماية المصالح الوطنية.

خاتمة

في عالم تتسارع فيه المنافسة على الموارد غير التقليدية، تصبح الموارد البيولوجية أحد مفاتيح القوة الصامتة.

وحماية هذا المورد، وتنظيمه، وتحويله إلى قيمة مضافة، ليست ترفًا فكريًا، بل استثمارًا مباشرًا في أمن مصر القومي ومستقبلها التنموي.

فما يُدار اليوم بعقل استراتيجي،

سيحمي قرار الغد،

ويصون حق الأجيال القادمة.

أخيرا وجبة أدبية: حارس الجينات

في عام 2032، وقف باحث مصري في مركز "سيادة البيانات الجينية" بالقاهرة، ممسكاً بعبوة صغيرة تحتوي على بذور نبات صحراوي نادر من قلب سيناء. لم تكن مجرد بذور، بل كانت تحمل "شفرة جينية" لمقاومة الجفاف، سجلتها الدولة كبراءة اختراع عالمية بعد سنوات من التوثيق.

نظر الباحث إلى الشاشة التي تظهر عروضاً من شركات أدوية كبرى تطلب "النفاذ" إلى هذه الشفرة مقابل استثمارات ضخمة، فابتسم وتذكر زمن "الفجوات التنظيمية". التفت إلى زميله قائلاً: "أتذكر عندما كان العالم يظن أن ثروتنا في الذهب والغاز فقط؟ اليوم، هذه البذرة الصغيرة هي التي تحمي ميزانية الدولة". في الخارج، كان النيل ينساب بهدوء، يروي أرضاً لم تعد تكتفي بإنتاج الغذاء، بل باتت تصدّر "أكواد الحياة" إلى العالم، معلنةً أن مصر التي علّمت البشرية الزراعة يوماً، هي الآن من يحمي مستقبلها البيولوجي.

إيهاب محمد زايد السيادة البيولوجية: كيف أصبحت الموارد الجينية مسألة أمن قومي لمصر؟” الجارديان المصرية