الإثنين 19 يناير 2026 04:06 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الإعلامية سماح السيد تكتب: كيف تغيّرت بوصلة المجتمع دون أن نشعر؟

الإعلامية سماح السيد
الإعلامية سماح السيد

لم يحدث التغيير فجأة، ولا يوم وليلة لنكتشف أن القيم قد انقلبت رأسًا على عقب. ما حدث كان أهدأ من ذلك وأخطر: تغيّر تدريجي وبطيء، تسلّل إلى تفاصيل حياتنا اليومية حتى أصبح مألوفًا، ثم مقبولًا، ثم طبيعيًا.
في وقتٍ ليس ببعيد، كانت الحدود بين الصواب والخطأ أكثر وضوحًا. لم يكن المجتمع مثاليًا، لكن كانت هناك مساحة مشتركة من الاتفاق على ما يُعتبر مقبولًا وما يُعتبر مرفوضًا. اليوم، هذه المساحة تضيق، وتتحول الأسئلة الكبرى من "هل هذا صحيح أم خطأ؟" إلى "ولمَ لا؟".
أخطر ما يواجه المجتمعات ليس انتشار الخطأ، بل الاعتياد عليه.
فالخطأ حين يتكرر، ويتحوّل إلى مشهد يومي، يفقد صفة الاستثناء ويصبح جزءًا من المشهد العام. ومع الوقت، لا يعود يُقابَل بالرفض، بل بالتبرير، أو بالتجاهل، أو حتى بالدفاع عنه.
عبارات من نوع: "كل الناس تفعل ذلك"، أو "هذا زمن مختلف"، أو "دع الخلق للخالق"، لم تعد مجرد جُمل عابرة، بل أصبحت جمل اعتيادية لتعليق الأحكام، وتحييد الضمير الاجتماعي.
حين تتساوى كل الأشياء،ولا ننسى وسائل التواصل الاجتماعي لعبت
دورًا محوريًا في إعادة تشكيل المعايير، ليس فقط لأنها أتاحت عرض كل شيء، بل لأنها روجت لكل ماهو خطأ وابرزت اسؤ مافى المجتمع
أصبح الرأي المتزن يقف في المساحة نفسها مع المعلومة المغلوطة، وأصبح السلوك المستفز يُقدَّم أحيانًا على أنه جرأة، والتجاوز على أنه حرية،
ومع التكرار، يحدث ما هو أخطر: يتكييف المجتمع، ويهدأ الاعتراض،
المشكلة ليست في الخطأ…
لم تكن المجتمعات يومًا خالية من الأخطاء، لكن الفارق الجوهري أن الخطأ كان يُنظر إليه باعتباره خطأ. اليوم، نعيش مرحلة إعادة تعريف الخطأ، أو تلميعه، أو تقديمه في صورة مقبوله
أصبح كثيرون يترددون في قول "هذا غير صحيح"، خوفًا من أن يُتَّهَموا بالوصاية، أو التشدّد، أو معاداة الحرية. وهكذا، لا يُهزم الصواب بالهجوم عليه، بل بالصمت عنه.
استعادة البوصلة الأخلاقية لا تعني محاكمة الناس ولا فرض الوصاية، لكنها تبدأ بخطوة أبسط وأصدق: إعادة الاعتبار للمعايير، وإعادة تسمية الأشياء بأسمائها.
فالمجتمع لا ينهار حين يخطئ، بل حين يبرر الخطأ ويفعله علي انه الصواب وانه مايجب ان يفعله حين تختفي ثقافة انا ومن بعدي الطوفان حين نبدأ برفض الغلط وانكاره وعدم تقديمه علي انه تطور طبيعي قد منحناه شرعية مزيفة وقتها ستعود اتجاه البوصلة الأخلاقية الي الاتجاه الصحيح بعد أن كانت تدورفي فراغ السفه والأنحلال.

سماح السيد مقالات سماح السيد كيف تغيّرت بوصلة المجتمع دون أن نشعر؟ الجارديان المصرية