الثلاثاء 20 يناير 2026 08:29 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : السم الزائف ومكائد الحاقدون خلف الود ؟

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

أخطر أعداء الإنسان لا يكمنون في الغيب، ولا يظهرون في صور الظاهرين من الخصوم، إنما قد يختبئون في أقرب مكان إليه، في زملائه وأقرانه، في من يشاركونه المجال ذاته، في من يسير بجانبه في طريق العلم والعمل، يتظاهر بالابتسامة والود، ويزرع في صدره مكائد الحسد والخيانة، ذلك أن الحقد المهني أبلغ أنواع الأحقاد، وأخطر أشكال المؤامرات، لأنه يبدأ بصمت، يتسلل في الخفاء، ويتغذى على كل شعور بالتهديد أو التفوق، فلا يرى صاحبه إلا منافسًا، ولا يشعر إلا برغبة في التسلط على جهده وسمعته، فيزرع الغيظ في وجهه ويخفيه في قلبه، ويخفي وراء المظهر الجميل كوامن التنافس القاتل، فلا تُعرف نواياه إلا بعد أن تصيب أعماله أركان الطموح والإنجاز.
وقد علمت النفس البشرية أن مثل هذا النوع من الأعداء يخلق للإنسان الكثير من الضغوط النفسية التي لا تنتهي، وأن مواجهته تتطلب حكمة فائقة، وذكاءً دقيقًا، ومهارة اجتماعية عليا، فالموقف من الزميل الحاقد يحتاج إلى توازن بين الحذر والمهارة، بين اللباقة واليقظة، بين الصراحة والديبلوماسية، فلا تُعطيه فرصة لاستغلال الثقة، ولا تمنحه ذريعة للشعور بالتهديد، وإنما اجعل عملك واجتهادك، علمك ونجاحك، الدرع والحصن الذي يحميك من مكائده، واجعل سلوكك رقيقًا، محترمًا، راقيًا، يفيض بالأدب والخلق، فلا يشعر بأنك تقللين من قيمته، ولا بأنك تتربصين له، بل يشعر بأنك زميلة نزيهة، تسعى للارتقاء والعمل بصدق وإتقان.
إن أخطر ما يفعله الزميل الحاقد أن يشعل لعبة التشويه والتحريض والنميمة، ويزرع بذور الشك والريبة في نفوس الآخرين، فتنتشر الرائحة الكريهة في محيط العمل، وتتعكر الصفوف، وتختل الموازين، لكن الوعي والفطنة والمعرفة النفسية الحقة، تجعلك تتجاوزين كل هذا، وتستطيعين كشف الإشاعات قبل أن تتكاثر، ومواجهة التلاعب قبل أن يستفحل، وتحصين روحك ضد كل محاولة للضرر أو الاستغلال.
وبينما يبدو هذا العداء في ظاهر الأمر مجرد منافسة أو نقد، فإن عمق تأثيره يتضح حين يهدد قيمتك وسمعتك ومكانتك، حين تشعر بأن وجودك في المجال قد يزعج الغير، أو يثير الحسد في قلب زميلك، هنا تبدأ لعبة النفوس الحقيقية، لعبة الشياطين الصغرى، لعبة الخيانات الخفية والكيد الهادئ، التي لا يراها سوى من يمتلك بصيرة قوية في قراءة نوايا البشر، والقدرة على التعامل مع النفوس بذكاء فطري وحنكة متراكمة.
والسلاح الأمثل لمواجهة هذا النوع من الأعداء ليس القوة الظاهرة، ولا المواجهة الصاخبة، بل التميز في العمل، والالتزام بالقيم، والهدوء في الرد، والتوازن في التعامل، فكلما ازداد الحقد زاد وضوح التميّز، وكلما حاول الحاقد التسلط أو الإضرار، انعكس جهده على نفسه قبل أن يمسّكِ، وهنا يظهر الحق في مجده، وينتصر الأدب على الخسة، وتثبت النفس الراقية قدرتها على مواجهة الظلام دون أن تغوص فيه، وتُظهر أنها قادرة على تحويل الحسد إلى دافع للتميز، والعداء إلى فرصة لتأكيد الذات.
في النهاية، ليكن درسنا من هذه اللعبة النفسية العميقة أن أخطر الأعداء ليس من يهاجمنا مباشرة، بل من يرافقنا في طريقنا، يراقب خطواتنا، يتربص لإنقاص قيمتنا، ويخفي سمه الحقيقي خلف ابتسامة مزيفة، وأن المواجهة الحقيقية ليست بالمكائد، بل بالأخلاق، بالتميّز، بالذكاء، بالوعي الذاتي، وبالقدرة على حماية النفس من أي تهديد خفي، مع الاحتفاظ بالاحترام والرقي والسمو في كل تعامل، وهكذا تتحول أخطر المواقف إلى فرص لبناء الشخصية، وتعزيز القوة الداخلية، وضمان الاستقرار المهني والنفسي، وفي ذلك يكمن السر العظيم للنجاح الحقيقي، وثمار الصبر والفطنة والحكمة.
المواجهة الحقيقية ليست بمجاراة الكيد، بل بالسمو فوقه؛ فالحقد يسقط صاحبه في ظلامه، والنجاح يرفع أهله إلى آفاق لا يطالها إلا الأنقياء."

سماح عزام الجارديان المصرية السم الزائف ومكائد الحاقدون خلف الود ؟