الجمعة 20 مارس 2026 11:08 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د.هانى المصرى يكتب : القاهرة حذّرت… فهل يدفع العرب ثمن تجاهل الإنذار ؟

د. هانى المصرى
د. هانى المصرى


في منطقةٍ تعيش على حافة الانفجار، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع صراعات النفوذ الإقليمي، لم تعد التحالفات التقليدية كافية لضمان الأمن، ولم يعد الاعتماد على القوى الخارجية خيارًا آمنًا كما كان يُعتقد. هنا تحديدًا، يبرز الدور المصري ليس كدولة فاعلة فقط، بل كـ حاضنة كبرى للنظام العربي، وقلبٍ نابضٍ للشرق الأوسط، يحمل على عاتقه مسؤولية التوازن في زمن الفوضى.

منذ سنوات، قرأت القاهرة المشهد مبكرًا. لم تنتظر اشتعال الحرائق، بل طرحت تصورًا استراتيجيًا متكاملًا يقوم على إنشاء قوة عربية مشتركة، كأداة ردع جماعي تحمي السيادة العربية، وتعيد تعريف مفهوم الأمن القومي بعيدًا عن الارتهان الكامل للتحالفات الدولية. كانت الفكرة واضحة: “الأمن العربي لا يُستورد… بل يُصنع”.

غير أن هذه الرؤية، رغم عمقها، اصطدمت بحسابات متباينة لدى بعض الدول، فضّلت الاستمرار في نماذج أمنية تقليدية، تعتمد على التوازنات الدولية أكثر من الاعتماد على الذات العربية. ومع مرور الوقت، بدأت المنطقة تشهد تصاعدًا في التهديدات، واختبارات حقيقية لمدى قدرة هذه النماذج على الصمود.

اليوم، ومع تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الحديث عن اختراقات للسيادة وتهديدات مباشرة وغير مباشرة، تعود الأسئلة القديمة بثقلٍ أكبر:
هل كان يمكن أن يكون الواقع مختلفًا لو تم تبني مشروع عربي موحد للأمن؟
وهل أصبح ثمن التردد أعلى من ثمن القرار؟

المفارقة الأكثر إثارة للانتباه، ليست فقط في طبيعة التهديدات، بل في ردود الفعل المصاحبة لها. فبدلًا من التوجه نحو مراجعة السياسات، وإعادة تقييم الأولويات، انطلقت بعض الحملات الإلكترونية لتوجيه النقد نحو مصر، وكأن المشكلة في من حذر… لا في من تجاهل التحذير.

لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.

مصر، التي خاضت معاركها الوجودية دفاعًا عن الأرض والسيادة، لم تكن يومًا دولة رد فعل، بل دولة فعل استراتيجي ممتد. من استعادة الأرض كاملة، إلى الحفاظ على توازن دقيق بين القوى الدولية، إلى دورها المحوري في احتواء الأزمات العربية، أثبتت القاهرة أنها ليست مجرد لاعب إقليمي… بل ركيزة استقرار.

الدور المصري لا يتوقف عند حدودها الجغرافية، بل يمتد كشبكة أمان سياسية واستراتيجية لكثير من الدول العربية. فهي الدولة التي لم تغب عن أي ملف إقليمي، من الأمن إلى الوساطة إلى إعادة الإعمار، واضعة دائمًا مصلحة الاستقرار فوق أي اعتبارات ضيقة.

وفي هذا السياق، يصبح الهجوم على مصر – إعلاميًا أو إلكترونيًا – ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل انعكاس لحالة ارتباك أوسع في فهم طبيعة المرحلة.

الحقيقة التي قد تكون قاسية للبعض، أن المنطقة دخلت مرحلة لا مكان فيها للرماديات. إما مشروع واضح قائم على السيادة والاعتماد على الذات… أو استمرار في دائرة التبعية والتعرض للضغوط.

ومصر، بحكم التاريخ والجغرافيا والقدرة، اختارت الطريق الأصعب… لكنها أيضًا الطريق الأكثر استقرارًا على المدى الطويل.

إن اللحظة الراهنة تفرض على الجميع إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي، ليس كملف عسكري فقط، بل كمنظومة متكاملة تشمل القرار السياسي، والاستقلال الاستراتيجي، والوعي المجتمعي.

وفي قلب هذه المعادلة، ستظل القاهرة حاضرة…
لا تبحث عن دور، بل تمارس دورها الطبيعي.

القاهرة لا تكتب مواقفها عبر الضجيج … بل تكتبها بالفعل.

ولا تقاس بالتصريحات … بل بما قدمته وتقدمه.

وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي بيد التاريخ…
والتاريخ لا يجامل.

فالقاهرة كانت… وما زالت… تكتب مواقفها بالدم لا بالكلام.

د. هانى المصرى الجارديان المصرية القاهرة حذّرت… فهل يدفع العرب ثمن تجاهل الإنذار