الثلاثاء 31 مارس 2026 02:55 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

أيهاب محمد زايد يكتب : رغيف العيش.. كيف نحميه بالعلم لا بالشعارات؟

الكاتب الكبير ايهاب محمد زايد
الكاتب الكبير ايهاب محمد زايد

في البدء كانت الحبة.. واليوم صار الرغيف قضية أمن قومي في زمن تتزاحم فيه الأزمات العالمية، وتتصاعد فيه موجات الجفاف والحرارة، وتتقلب فيه أسعار الغذاء بشكل غير مسبوق، يبقى سؤال واحد في قلب كل بيت مصري: كيف نحافظ على رغيف الخبز الذي لا تغيب قيمته عن مائدة أي أسرة؟ كيف نحمي هذا الرغيف الذي يمثل أكثر من مجرد طعام، فهو كرامة وحياة واستقرار؟

قبل أن نتعمق في التفاصيل، دعونا نتأمل في هذه الحقيقة المذهلة: مصر تنتج اليوم نحو 9.8 مليون طن من القمح سنوياً، بزيادة 6.5% عن العام السابق، على مساحة تصل إلى 3.6 مليون فدان . هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل هو ثمرة سنوات من العمل المتواصل، وإرادة وطنية لا تلين، وإيمان بأن السيادة الغذائية تبدأ من الحبة وتنتهي عند الرغيف.

لكن السؤال الأهم: كيف نحافظ على هذا الإنجاز؟ كيف نحمي رغيف العيش بالعلم لا بالشعارات؟ وكيف يمكن للزراعة الذكية أن تكون الحل الأمثل لتوفير لقمة العيش الكريمة لكل أسرة مصرية؟

المشروعات القومية.. من الرمال إلى الخضرة
عندما قررت مصر التوسع في الرقعة الزراعية، لم يكن القرار مجرد حلم، بل كان رهاناً على المستقبل. مشروع الدلتا الجديدة، الذي يمتد على مساحة 2.2 إلى 2.8 مليون فدان غرب الدلتا، يستهدف إضافة 15% من المساحة المزروعة في مصر . هذا المشروع العملاق، الذي يبدأ باستصلاح مليون فدان على محور الضبعة، يعتمد على مزيج ذكي من المياه الجوفية ومياه الصرف المعالج، لتحويل الصحراء القاحلة إلى حقول خضراء.

وفي جنوب مصر، يمتد مشروع توشكى الخير، الذي يعيد إحياء حلم عمره عقود، ليضيف أكثر من 1.1 مليون فدان صالحة للزراعة . هذا المشروع، الذي يعتمد على أكبر محطة ضخ في العالم، قادر على ضخ 7 ملايين متر مكعب من المياه يومياً من بحيرة ناصر إلى منخفض توشكى، لتحويل الصحراء إلى واحة زراعية شاسعة.

وفي أقصى الجنوب الغربي، ينتصب مشروع شرق العوينات على مساحة 220 ألف فدان، تعتمد بالكامل على المياه الجوفية، باستخدام أحدث نظم الري المحوري . هنا، في قلب الصحراء، تنتشر الدوائر الخضراء التي يصل قطرها إلى 800 متر، لتشكل لوحة فنية بديعة تجمع بين الجمال والإنتاج.

هذه المشروعات ليست مجرد أراضٍ مستصلحة، بل هي مدن زراعية متكاملة، تضم مناطق صناعية للتصنيع الغذائي، وصوامع للتخزين، وطرقاً للنقل، ومرافق للخدمات. إنها تحويل للصحراء من فراغ قاحل إلى ثروة منتجة، ومن عبء على الدولة إلى رافد للاقتصاد الوطني.

الزراعة الذكية.. من العلم إلى الحقل
لكن الأرض وحدها لا تكفي. فتحويل الرمال إلى خضرة يحتاج إلى علم، وإلى طرق حديثة في الزراعة تختلف جذرياً عن أساليب الأجداد. هنا يأتي دور الزراعة الذكية، التي تعتمد على أحدث التقنيات لتحقيق أعلى إنتاجية بأقل تكلفة.

في مشروع مستقبل مصر، الذي يعد باكورة الدلتا الجديدة، يتم استخدام 2600 جهاز ري محوري مطور، يسقي المحاصيل بدقة متناهية، ويوفر كميات هائلة من المياه . هذه الأنظمة لا تكتفي بالري فقط، بل تحدد بدقة كميات المياه التي تحتاجها كل مساحة، وتوزعها بالتساوي، لتحقق أقصى استفادة من كل قطرة.

كما يعتمد المشروع على الميكنة الزراعية الحديثة، التي تنجز العمليات الزراعية بجودة وسرعة عالية، وتقلل الاعتماد على العمالة اليدوية، وتوفر الوقت والجهد. هذه الميكنة تشمل كل مراحل الزراعة: من إعداد التربة إلى الزراعة إلى الحصاد إلى التخزين.

في توشكى الخير، يتم استخدام نظام الري المحوري الذكي الذي يصل المياه لكل زرعة بكمية محسوبة بدقة، مما يساعد في ترشيد الاستهلاك وحماية الخزان الجوفي من السحب الجائر . هذا النظام يحول كل فدان إلى وحدة إنتاجية عالية الكفاءة، ويزيد الإنتاجية بشكل كبير مقارنة بالزراعة التقليدية.

في شرق العوينات، يتم ري الأراضي باستخدام مضخات المياه الغاطسة التي تعتمد على خزان العوينات الجوفي، أحد فروع الخزان النوبي العملاق . هنا، تتراوح نسبة ملوحة المياه بين 200 و700 جزء في المليون، وهي مياه عذبة صالحة للري، وتكفي لزراعة مئات الآلاف من الأفدنة لعقود قادمة.

من الحبة إلى الرغيف.. سلسلة متكاملة
الزراعة الذكية لا تتوقف عند الحقل. فهي تمتد لتشمل كل مراحل الإنتاج، من الحبة إلى الرغيف. في مشروع مستقبل مصر، يتم إنشاء مناطق صناعية متكاملة تشمل صوامع تخزين الغلال بسعة 20 ألف طن، وثلاجات لحفظ البطاطس بسعة 80 ألف طن، ومحطات لفرز وتعبئة المحاصيل، ومعامل لتحليل التربة وأمراض النباتات . هذه البنية التحتية تضمن وصول المنتج إلى المستهلك بأعلى جودة وأقل فاقد.

كما يشمل المشروع مصانع لتعبئة وتكرير الزيوت، ومصانع للأعلاف، ومزارع للإنتاج الحيواني، لتحقيق التكامل بين الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية. هذا التكامل هو سر نجاح النموذج الزراعي المصري الجديد، الذي لا يكتفي بزراعة المحاصيل، بل يحولها إلى منتجات نهائية ذات قيمة مضافة.

في توشكى الخير، تم زراعة 37 ألف فدان من النخيل، تحتوي على 2.5 مليون نخلة، تنتج آلاف الأطنان من التمور عالية الجودة للتصدير . كما يتم زراعة القمح وفول الصويا والفاصوليا، بهدف رفع الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية. وقد ساهم المشروع في خفض فاتورة استيراد القمح والتمور بنسبة 30%، وبدأ في تصدير التمور والبطاطس إلى دول الخليج وأوروبا .

الاقتصاد والفلاح.. معادلة النجاح
الزراعة الذكية ليست مجرد تقنيات حديثة، بل هي أيضاً سياسات اقتصادية ذكية تحفز الفلاح على الإنتاج. الحكومة المصرية رفعت سعر توريد القمح لتشجيع المزارعين على التوسع في زراعته، ووفرت الأسمدة المدعمة والتقاوي المعتمدة، وطورت نظام الإرشاد الزراعي لمساعدة الفلاحين على تطبيق الممارسات الحديثة.

هذه السياسات أثمرت عن زيادة كبيرة في الإنتاج، وتوسع في المساحات المزروعة، وانخفاض في فاتورة الاستيراد. كما خلقت آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وساهمت في استقرار الريف المصري وتنميته.

مشروع مستقبل مصر وفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة، وأكثر من 360 ألف فرصة عمل غير مباشرة . هذا ليس مجرد رقم، بل هو مئات الآلاف من الأسر المصرية التي وجدت في هذه المشروعات مصدر رزق كريم، ومستقبلاً آمناً لأبنائها.

كما أن مشروع توشكى الخير وفر أكثر من 200 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية . هذا العدد الكبير من فرص العمل يساهم في استقرار الأسر المصرية، ويقلل من البطالة، ويعزز الاقتصاد الوطني.

العلم في خدمة الخبز.. من المختبر إلى الحقل
بصفتي باحثاً في علوم الخلية، أدرك أن الزراعة الحديثة لا تقف عند حدود الميكنة والري المحوري. ففي المختبرات، يعمل العلماء على تطوير أصناف جديدة من القمح والشعير والفول، مقاومة للجفاف والملوحة والأمراض، لمواكبة التغيرات المناخية القاسية. هذه الأصناف، التي تخرج من معامل مركز البحوث الزراعية، هي ثمرة سنوات من البحث والتجريب، وتنتقل بعد ذلك إلى الحقول لتزرع في الأراضي الجديدة.

العلم هو السلاح الأقوى في معركتنا من أجل الخبز. وهو الذي يمكننا من تحقيق ما يبدو مستحيلاً: زراعة القمح في قلب الصحراء، وحصاده مرتين في العام، وتحقيق إنتاجية قياسية تتجاوز المعدلات العالمية. العلم هو الذي يحول الحلم إلى حقيقة، والرمل إلى رغيف.

خاتمة.. رغيف العيش ليس مجرد طعام
في النهاية، تذكرنا هذه الرحلة في عالم الزراعة الذكية بأن رغيف العيش ليس مجرد طعام، بل هو كرامة وطنية، وأمن قومي، واستقرار اجتماعي. وهو ليس مجرد محصول يزرع ويحصد، بل هو مشروع حياة، ومسيرة بناء، ورؤية مستقبلية.

مصر التي أتقنت الزراعة على ضفاف النيل منذ سبعة آلاف عام، قادرة اليوم على زراعة الصحراء، وتحويل الرمال إلى خضرة، وإطعام أبنائها من خيرات أرضها. المشروعات العملاقة التي نشهدها اليوم في الدلتا الجديدة وتوشكى والعوينات، هي شهادة على أن الإرادة المصرية قادرة على صنع المستحيل.

لكن الطريق لا يزال طويلاً. نحتاج إلى المزيد من العلم، والمزيد من الاستثمار، والمزيد من الوعي. نحتاج إلى أن ندرك أن الزراعة الذكية ليست رفاهية، بل هي ضرورة لبقاء الأجيال القادمة. وأن رغيف العيش الذي نحميه اليوم بالعلم، هو الذي سيحمي كرامتنا غداً.

في المرة القادمة التي تمسك فيها رغيف خبز، تذكر أن هذا الرغيف هو ثمرة آلاف الأفدنة التي استصلحت من الصحراء، وملايين الساعات من العمل الجاد، وسنوات من البحث العلمي، وإرادة وطنية لا تلين. وهذا الرغيف هو الذي يربطنا بأرضنا، وبماضينا، وبمستقبلنا.

سؤال للقارئ
بينما تقرأ عن هذه المشروعات العملاقة التي تحول الصحراء إلى خضرة، عن ملايين الأفدنة التي تستصلح، وعن آلاف فرص العمل التي تخلق، وعن زراعة ذكية تعتمد على العلم لا على الشعارات، يبقى السؤال مفتوحاً لك: كيف يمكن لكل مصري أن يساهم في حماية رغيف العيش، من خلال ترشيد الاستهلاك، ودعم المنتج المحلي، والاهتمام بالعلم والبحث الزراعي؟ وما هي الخطوة الأولى التي ستتخذها اليوم لتكون جزءاً من هذه الرحلة الوطنية الكبرى؟

إيهاب محمد زايد مقالات ايهاب محمد زايد رغيف العيش.. كيف نحميه بالعلم لا بالشعارات؟ الجارديان المصريه