الخميس 2 أبريل 2026 05:10 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفي هنرى يكتب من فيينا : جدع في المنتجع ( ١٠ )

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

كعادة كل عام ومن ٢٠١٦ وانا أذهب لاحدي المنتجعات في النمسا ، أنا الآن في قرية جنوب النمسا العلياNiederösterreich ، القرية تقع على مقربة من بلدة Grimmenstein ، اسم القرية HOCHEGG ، انها واحدة من تلك الأماكن التي قد تبدو صغيرة على الخريطة… لكنها تحمل تاريخًا يمتد لقرون ، ودورًا يتجاوز حدود حجمها بكثير .
هذا المكان الهادئ، الذي لا يتجاوز عدد سكانه ٩٥٠ نسمة ، يقع على ارتفاع 800 متر فوق سطح البحر ، وسط طبيعة جبلية خلابة وهواء نقي يُعد من أهم مميزاته فنسبة التلوث معدومة . ورغم بساطة المكان ، فانه يستقبل سنويًا أعدادًا من الزوار تفوق عدد سكانه ٧٠ مرة ، ليبقى مثالًا حيًا على أن التأثير لا يُقاس بالحجم .
تعود جذور المنطقة إلى العصور الوسطى، حيث وردت أول إشارة مكتوبةً لـGrimmenstein في وثيقة صدرت عام 1155 خلال عهد نبلاء المنطقة ، وتُذكر الأسرة الحاكمة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر وهي تبني وتسيطر على ثلاث قلعات رئيسية على تلال Kulmriegel ، منها الحصن الذي يعرف اليوم باسم Burg Grimmenstein ، وكان هذا الموقع في القرنين الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر محورًا للحياة السياسية والدفاعية في المنطقة، محتفظًا بأثره التاريخي حتى يومنا هذا .
على مدار القرنين الثالث عشر والرابع عشر، شهدت القلعة والمنطقة المحيطة بها تغيرات في الملكية والنفوذ ، إذ تم توثيق انتقال السيطرة بين عائلات إقطاعية مختلفة ، وفي بعض الفترات كانت القلعة تخدم كمنشأة دفاعية محلية قبل أن يتراجع دورها العسكري في نهاية العصور الوسطى ، لتبقى أطلالها شاهدًا على تلك الحقبة .
على مدار القرون اللاحقة، ظلت Hochegg ومنطقة Grimmenstein محاطة بطابع ريفي هادئ ، تعتمد على الزراعة والحياة الهادئة بعيدًا عن مراكز القرار ، لكنها محاطة بتاريخ عميق يربطها بجذور عمرها قرون .
ومع نهاية القرن التاسع عشر، بدأ تحول حاسم في هوية المكان ، ففي زمن كانت فيه أوروبا تعاني من أمراض الجهاز التنفسي ، بدأ الاهتمام بما عُرف بالعلاج بالمناخ ، حيث يُنصح المرضى بالتوجه إلى المناطق الجبلية ذات الهواء النقي ، وبفضل موقعها المرتفع وبيئتها الطبيعية ، أصبحت HOCHEGG مكانًا مثاليًا لهذا النوع من العلاج .
في عام 1898 تم إنشاء أول منتجع لمصابي أمراض الرئة ، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخها، ثم في عام 1918 استُخدم المكان لعلاج الجنود المصابين بأمراض تنفسية بعد الحرب العالمية الأولى ، ما عزز من أهميته الطبية . ومع مرور الوقت ، تطورت المؤسسات العلاجية، وتحولت Hochegg إلى مركز متخصص في إعادة التأهيل ، خاصة في مجالات أمراض القلب والجهاز التنفسي. ورغم التقدم الطبي ، بقي العنصر الأهم كما هو الطبيعة الخلابة ، فالهواء النقي، والغابات، والهدوء … كلها ليست مجرد عامل ، بل جزء أساسي من فلسفة العلاج .
ما يجعل Hochegg فريدة، ليس فقط تاريخها أو طبيعتها، بل هذا التحول العميق ، من أرض كانت تُراقَب منها الطرق وتُخاض حولها الصراعات ، إلى مكان يأتي إليه الناس بحثًا عن الشفاء . من قلاع تحمي الحدود ، إلى بيئة تحمي الإنسان من ضعفه .
في Hochegg، لا يُقاس التاريخ بعدد السكان ، ولا تُقاس الأهمية بحجم المكان… بل بعدد الحكايات التي مرّت من هنا، وغادرت وهي أخفّ ألمًا… وأكثر حياة .
و إيه اللي فاضل عالجنة

وصفي هنري
هوخ إجج ٢٣ برمهات ٦٢٦٧
الأربعاء اول أبريل ٢٠٢٦