الخميس 7 مايو 2026 07:51 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : حين يُمحى الماضي ويُعاد تشكيل الحاضر: بين الصعود المفاجئ وصمت السلطة

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في مكانٍ صغير يعرف الناس فيه بعضهم بعضًا، وتحفظ الذاكرة تفاصيل الوجوه والحكايات، ظهر رجل لم يكن أحد يتوقع له يومًا أن يصبح في قلب المشهد، بل ربما كان اسمه في الماضي مرتبطًا بأفعال يتهامس الناس حولها أكثر مما يتحدثون عنها علنًا.
هذا الرجل، الذي عرفه البعض بسجلّ من السوابق، لم يكن يحمل في بداياته ما يوحي بمستقبل مختلف. كان يحمل دبلومًا بسيطًا، ويعيش بين الناس كأي شخص عادي، لا يلفت النظر كثيرًا، ولا يبدو أن له نصيبًا في دائرة النفوذ أو التأثير. لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق المنطق الذي يتوقعه الناس، فكثيرًا ما تصعد وجوه لم يكن أحد يظن أنها ستجلس يومًا في الصفوف الأولى.
ومع مرور الوقت، بدأ المشهد يتغير تدريجيًا. اختفت تلك الصفحات القديمة من السيرة كما لو أنها طويت بالكامل، لا بالزمن وحده، بل بأيدٍ لا يراها أحد. ثم فجأة، وجد الناس أنفسهم أمام شخصية جديدة تمامًا: رجل من “الرجالات”، له كلمة مسموعة، وله حضور يتسع يومًا بعد يوم، حتى صار البعض لا يقضي أمرًا إلا بعد أن يمر من بوابته، وكأن الرضا عنه أصبح شرطًا للمرور إلى أي شيء.
الأغرب من ذلك لم يكن صعوده وحده، بل طريقة تعامل الناس معه. أولئك الذين كانوا بالأمس يذكرون ماضيه بحذر، أصبحوا اليوم يلتفون حوله، يطلبون وده، ويتلمسون رضاه، وكأن الذاكرة الجماعية قد أعادت كتابة نفسها فجأة، أو كأن الماضي فقد صلاحيته بالكامل في لحظة غير معلومة السبب.
ثم جاءت الشهادة التقديرية لتضيف إلى المشهد طبقة أخرى من الدهشة. فحين تُمنح الأوراق الرسمية هالة الاحترام لشخص كانت حوله كل تلك التساؤلات، يصبح السؤال أكبر من مجرد تكريم عابر، ويتحول الأمر إلى رسالة ضمنية يفهمها الجميع بطريقته الخاصة: أن الصورة التي تُصنع اليوم أقوى من كل الصور القديمة، وأن التاريخ يمكن إعادة ترتيبه إذا توفرت الإرادة والنفوذ والوقت المناسب.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي في الظهور: كيف يتحول شخص من الهامش إلى مركز التأثير بهذه السرعة؟ وكيف يُمحى تاريخ كامل من الوعي العام دون تفسير واضح؟ وهل هذا التحول كان نتيجة تغيير حقيقي في الشخصية والسلوك، أم أنه إعادة توزيع غير مرئية لموازين القوة؟
الأكثر إرباكًا ليس صعود الرجل، بل صمت زعيم المكان. ذلك الرجل الذي يُفترض أنه يرى الصورة كاملة، ويعرف خيوطها الأولى والأخيرة، لكنه يقف في موقع يبدو للبعض غامضًا: هل هو غير مدرك لما يحدث فعلًا؟ أم أنه يدرك كل شيء لكنه يختار الصمت وينتظر لما هو ٱت؟
فإذا كان لا يعلم، فهذه مشكلة في قراءة المشهد وإدارة التفاصيل. أما إذا كان يعلم ويسكت، فهنا يصبح الصمت نفسه سؤالًا أكبر من الفعل، بل جزءًا من الحدث، لا مجرد غياب رد فعل. لأن السلطة حين تصمت أمام تبدل الموازين، فإن الناس لا تعتبر الصمت حيادًا، بل تعتبره موافقة غير معلنة، أو على الأقل قبولًا بالأمر الواقع.
وفي تلك اللحظة تبدأ المعايير في التبدل. فلا يعود الناس يسألون: من يستحق؟ بل يسألون: من الأقوى؟ ولا يعود التاريخ الشخصي معيارًا للحكم، بل يصبح النفوذ الحالي هو المقياس الوحيد. وهنا تتغير النفوس قبل الوجوه، وتتحول المبادئ عند البعض إلى مجرد كلمات تُقال في العلن، بينما الحقيقة الوحيدة التي يصدقها الجميع هي أن من يملك التأثير يملك القدرة على إعادة تعريف نفسه مهما كان ماضيه.
المشهد في ظاهره بسيط، لكنه في داخله يحمل دلالات أكبر بكثير من شخص صعد أو آخر صمت. إنه صورة عن مجتمعات يمكن فيها أن تتحول القوة إلى وسيلة لمحو الذاكرة، وأن يصبح النفوذ قادرًا على غسل التاريخ، وأن يقف الناس بين الخوف والمصلحة والدهشة، يراقبون التحولات وكأنهم يشاهدون مسرحية يعرفون نهايتها لكنهم عاجزون عن تغيير أحداثها.
وفي النهاية، لا تبقى الحكاية مجرد قصة رجل تبدّل حاله، ولا مجرد مشهد عابر من مشاهد الحياة اليومية، بل تصبح مرآة تكشف كيف يمكن للأزمنة أن تنقلب، وكيف تتغير المعايير حين تختلط السلطة بالمصلحة، والخوف بالطموح، والنفوذ بالصمت. فالأوطان والمجتمعات لا تُقاس فقط بمن يجلسون في الواجهة، بل تُقاس أيضًا بطريقة صعودهم، وبالرسائل التي تصل إلى الناس من وراء هذا الصعود.
حين يرى البسطاء أن الماضي يمكن محوه بسهولة، وأن النفوذ قادر على إعادة كتابة الصور والوجوه والتاريخ، فإن أخطر ما يحدث ليس صعود شخص بعينه، بل سقوط المعنى نفسه. يسقط معنى العدالة، ومعنى القدوة، ومعنى أن يكون للكفاح الشريف قيمة حقيقية يشعر بها الجميع.
والمؤلم أكثر أن الناس مع الوقت قد تعتاد هذا المشهد، فتتوقف عن الدهشة، ويصبح التناقض أمرًا طبيعيًا، ويصبح الصمت لغة عامة لا أحد يريد كسرها. عندها لا يعود السؤال: كيف وصل هذا الشخص؟ بل يصبح السؤال: من القادم بعده؟ ومن الدور عليه في لعبة تبديل المواقع والوجوه؟
التاريخ دائمًا يتذكر، حتى لو تظاهر الجميع بالنسيان. والناس قد تصمت طويلًا، لكنها في داخلها تحفظ كل شيء، تحفظ الوجوه القديمة قبل الأقنعة الجديدة، وتحفظ من كان بالأمس شيئًا، وكيف أصبح اليوم شيئًا آخر. لأن الحقيقة مهما غطاها النفوذ، ومهما أخفاها التصفيق، تبقى موجودة في ذاكرة الزمن، تنتظر فقط اللحظة التي تُقال فيها بصوتٍ أعلى من كل هذا الصمت.

حين يُمحى الماضي ويُعاد تشكيل الحاضر: بين الصعود المفاجئ وصمت السلطة حسين السمنودى الجارديان المصريه