الأربعاء 20 مايو 2026 11:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حكايات مصيرية...

الكاتب الصحفي الحسيني عبدالله يكتب:ميدان السباق.

الكاتب الكبير الحسيني عبدالله
الكاتب الكبير الحسيني عبدالله

مع إشراقة شمس شهر ذي الحجة من كل عام، تفتح السماء أبواب الرحمات وتتنزل السكينة على قلوب العباد. نحن لا نتحدث عن أيام عادية، بل عن "نفحات ربانية" اختصها الله بفضل لم تدركه بقية أيام السنة. فبينما يتميز رمضان بلياليه، وتحديداً "ليلة القدر"، تتربع عشر ذي الحجة على عرش الأفضلية في "نهارها"، لتكون ميداناً فسيحاً لسباق الصالحين نحو الفوز بالرضوان.
​أسرار التفضيل: لماذا هي "أفضل أيام الدنيا"؟
​يرى علماء الشريعة والمفكرون أن سر عظمة هذه الأيام يكمن في "التركيبة العبادية" التي لا تتكرر في أي شهر آخر. ويستند هذا التفضيل إلى عدة مرتكزات شرعية وتاريخية:
​اجتماع "أمهات العبادة": في تحليل فقهي معمق، يشير الحافظ ابن حجر إلى أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة هو اجتماع العبادات الكبرى فيها؛ فلا يوجد زمان آخر يجمع بين الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج في آن واحد إلا في هذه الأيام.
​التشريف الإلهي بالقسم: في بلاغة القرآن الكريم، لا يقسم العظيم إلا بعظيم، وقد أقسم الله بها في سورة الفجر، مما يرفع من قيمتها الاعتبارية في وجدان المسلم ويجعلها محطة فاصلة في مسيرته الروحية.
​اكتمال الدين: شهدت هذه الأيام (وتحديداً يوم عرفة) نزول الآية الكريمة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، فهي أيام مرتبطة بتمام النعمة وكمال الملة، مما يجعلها رمزاً للهوية واليقين.
​يوم عرفة: "التاج" فوق رأس العشر
​لا يمكن الحديث عن العشر دون التوقف طويلاً عند اليوم التاسع، وهو يوم "المباهاة"، حيث يباهي الله بعباده ملائكته في مشهد إيماني مهيب.
​للحجاج: هو ركن الحج الأعظم الذي لا يصح الحج بدونه، حيث يتساوى الجميع في لباس واحد ودعاء واحد.
​لغير الحجاج: هو فرصة ذهبية لمحو "تاريخ من الذنوب"، حيث يكفر صيامه سنة ماضية وسنة مقبلة، كأنما هو إعلان لبداية حياة جديدة.
و​لتحويل هذه الأيام من مجرد "وقت" إلى "رصيد" في الآخرة، يمكن صياغة خارطة طريق تشمل:
​1. إحياء شعيرة "الذكر المهجور"
​التكبير والتحميد والتهليل. كان الصحابة يخرجون إلى الأسواق يكبرون ويكبر الناس بتكبيرهم، مما يضفي صبغة إيمانية على الفضاء العام، وهو إعلان لسيادة الله في الأرض وفي القلوب.
​2. الصيام والقيام
​يُندب صيام الأيام التسعة الأولى، مع الحرص على قيام ليلها، فمن فاته قيام ليالي رمضان، فليعوض ما فاته في نهارات ذي الحجة المضيئة.
​3. الأضحية: درس في العطاء والتكافل
​ليست الأضحية مجرد ذبح، بل هي إحياء لسنة الخليل إبراهيم، وتجسيد عملي لمعاني الفداء. توزيع اللحوم على الفقراء يكسر حواجز الطبقية ويحول العيد إلى فرحة اجتماعية شاملة تقوي أواصر المجتمع الإسلامي
وأخيرا نستطيع القول بأن تعظيم هذه الأيام هو دليل على "تقوى القلوب". فالمحروم ليس من فاته الربح المادي في تقلبات الأسواق، بل المحروم من تمر عليه هذه الجواهر الزمانية وهو منشغل بسفاسف الأمور. فلنجعل من هذه العشر انطلاقة جديدة، نغسل فيها القلوب، ونقوي فيها الصلات، ونستعد ليوم اللقاء بعمل يبيض الوجوه ويثقل الموازين.

حكايات مصيرية الحسيني عبدالله ميدان السباق الجارديان المصريه