حسين السمنودى يكتب : مصر المجني عليها.... عندما يتحول الفن إلى تشويه للتاريخ
في كل أمة صفحات مؤلمة من التاريخ لا يمكن إنكارها أو تجميلها، وتجارة الرقيق كانت واحدة من تلك الصفحات السوداء التي عرفتها البشرية كلها بلا استثناء، من الشرق إلى الغرب، ومن أفريقيا إلى أوروبا والأمريكتين.
لكن الاعتراف بوجود تلك المرحلة شيء، وتحويل التاريخ إلى مشاهد مشوهة ومبالغ فيها شيء آخر تمامًا.
في الفترة الأخيرة ظهرت أعمال فنية تحاول أن تقدم صورة عن مصر في القرن التاسع عشر وكأن المصريين كانوا يديرون معتقلات بشرية أشبه بما كانت تفعله مزارع القطن الأمريكية، وكأن العبيد كانوا يعيشون داخل أقفاص حديدية ويُعاملون كالدواب، يُلقَى لهم الطعام كما يُلقى للحيوانات، ويُساقون بالسلاسل والقيود طوال الوقت.
وهنا يحق للناس أن تتساءل: هل هذا تاريخ حقيقي؟ أم مجرد محاولة لنسخ الصورة الغربية للعبودية وإلصاقها بالمجتمع المصري دون أي أمانة تاريخية؟
الحقيقة أن التاريخ المصري، رغم ما فيه من أخطاء وظواهر اجتماعية كانت موجودة في عصرها، لم يُعرف بتلك الصورة الوحشية التي تُقدَّم اليوم على الشاشات.
نعم، وُجد الرق، وكان ذلك أمرًا منتشرًا عالميًا في تلك الأزمنة، لكن طبيعة التعامل داخل المجتمع المصري كانت مختلفة تمامًا عن الصورة الأمريكية والأوروبية التي قامت على الاستعباد الجماعي داخل المزارع والسجون البشرية والإذلال العلني.
العديد من الرحالة والمستشرقين الذين زاروا مصر في القرن التاسع عشر كتبوا بالتفصيل عن الحياة الاجتماعية داخل القاهرة والإسكندرية ومدن مصر المختلفة، وتحدثوا عن وجود الخدم والرقيق داخل البيوت والقصور، لكن أحدًا منهم لم يصف تلك المشاهد المرعبة التي تحاول بعض الأعمال الفنية ترسيخها اليوم في عقول الشباب.
لم يذكروا أقفاصًا حديدية، ولا زنازين للحياة اليومية، ولا معاملة للحيوانات بالصورة التي يتم استيرادها حرفيًا من تاريخ العبودية في الغرب.
بل إن كثيرًا ممن كانوا يُطلق عليهم “مماليك” أو “خدم” أو “عبيد” اندمجوا داخل المجتمع، وبعضهم وصل إلى مناصب ونفوذ وثروة، وهي حقيقة تاريخية يعرفها الجميع.
وكان الكثير منهم يعيش داخل البيوت نفسها، يأكل من الطعام ذاته، ويرتدي ملابس طبيعية، وله مكان إقامة داخل القصور أو المنازل، وليس داخل حظائر أو أقفاص كما يتم تصويره الآن.
وهنا لا يدافع أحد عن فكرة الرق نفسها، فهي في النهاية ممارسة إنسانية مؤلمة انتهت بفضل تطور الوعي الإنساني والديني والأخلاقي، لكن الدفاع هنا عن الحقيقة التاريخية وعدم تزويرها.
لأن الفن حين يفقد أمانته يتحول من وسيلة للتنوير إلى أداة لتشويه الشعوب واغتيال الذاكرة.
المشكلة ليست في تقديم عمل درامي عن حقبة تاريخية، بل في تعمد استنساخ النموذج الأمريكي للعبودية بكل تفاصيله، ثم وضعه داخل البيئة المصرية وكأنه جزء من تاريخها الحقيقي.
وهذا ظلم للتاريخ قبل أن يكون ظلمًا للمصريين.
إن بعض صناع الأعمال الفنية أصبحوا يظنون أن المبالغة والصدمات البصرية هي الطريق الأسرع للشهرة والانتشار والجوائز، حتى لو كان الثمن هو تشويه صورة وطن كامل أمام الأجيال الجديدة والعالم.
فيتحول العمل الفني من قراءة للتاريخ إلى محاكمة مزيفة لشعب لم يعرف تلك القسوة بالصورة التي تُعرض.
ومن المؤسف أن كثيرًا من الشباب قد يصدق ما يراه على الشاشة دون أن يعود إلى كتاب أو وثيقة أو شهادة مؤرخ، فينشأ وهو يعتقد أن أجداده كانوا وحوشًا، وأن بلده لم يعرف سوى القهر والهمجية، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا وإنصافًا من ذلك بكثير.
الفن الحقيقي لا يقوم على الكذب، ولا على تقليد السينما الغربية “على العمياني”، ولا على استيراد مشاهد من مزارع العبيد في أمريكا وإعادة تدويرها داخل البيئة المصرية فقط من أجل الإثارة.
الفن الحقيقي يحترم عقل المشاهد، ويحترم تاريخ بلده، ويعرف أن الفرق كبير بين النقد المشروع وبين تشويه الهوية.
إن الأمم التي تفقد احترامها لتاريخها تصبح فريسة سهلة لأي رواية مزيفة، وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول أبناء الوطن أنفسهم إلى أدوات لهدم صورتهم بأيديهم.
فليس كل ما يُعرض على الشاشة حقيقة، وليس كل مشهد صادم وثيقة تاريخية، لأن الدراما أحيانًا قد تصنع وهماً أكبر من الواقع نفسه.
ولهذا يبقى واجب المثقفين والباحثين والإعلاميين أن يوضحوا الفرق بين الحقيقة والخيال، وبين التوثيق والتضليل، حتى لا تضيع ذاكرة الشعوب وسط أعمال تبحث عن الضجيج أكثر مما تبحث عن الصدق.
أما المؤلم حقًا، فليس مجرد مشهد خاطئ في فيلم أو لقطة درامية مبالغ فيها، بل ذلك الإصرار المستمر على تقديم مصر للعالم وكأنها بلد لا يعرف إلا القبح والفوضى والقهر والتخلف، وكأن تاريخها الطويل وحضارتها العريقة وإنسانها البسيط الطيب لا يستحقون الظهور ولو مرة بصورة عادلة ومنصفة.
ففي الوقت الذي تسعى فيه دول كثيرة لتجميل تاريخها، حتى وهي تعلم ما ارتكبته من جرائم واستعمار ومذابح، نجد من أبناء هذه الأرض من يتفننون في جلد وطنهم وتشويهه وتصدير أسوأ صورة ممكنة عنه، تحت شعار الواقعية أو الجرأة الفنية أو حرية الإبداع.
أصبحت بعض الأعمال الفنية لا ترى في مصر سوى العشوائيات، والفساد، والانهيار الأخلاقي، والعنف، والبلطجة، والانحراف، وكأن المجتمع المصري لم يعرف يومًا العلم ولا الثقافة ولا الشهامة ولا الرحمة ولا الترابط الأسري.
وأصبح المواطن المصري في كثير من الأعمال الدرامية إما فاسدًا أو جاهلًا أو خائنًا أو متوحشًا، بينما تختفي النماذج الحقيقية المشرفة التي تمتلئ بها الشوارع والقرى والمدن كل يوم.
بل إن الأمر تجاوز حدود الفن، فأصبح هناك من يشوه مصر تاريخيًا، واجتماعيًا، وسياحيًا، وثقافيًا، وحتى أخلاقيًا، وكأن الهدف هو هدم صورة الوطن في عيون أبنائه قبل عيون العالم.
مرة بتزوير التاريخ، ومرة بالسخرية من العادات والتقاليد، ومرة بإظهار المجتمع وكأنه غارق بالكامل في الانحلال، ومرة بتقديم الأسرة المصرية على أنها مفككة بلا قيم أو رحمة أو دين.
والمصيبة الأكبر أن هذا التشويه يُقدَّم أحيانًا بأيدٍ مصرية، وبأموال مصرية، وبأصوات من المفترض أنها تنتمي لهذا الوطن، لكنها تسابق الجميع في تقديم أسوأ نسخة منه، فقط من أجل لفت الانتباه أو تحقيق نسب مشاهدة أو حصد جوائز لا قيمة لها أمام قيمة وطن وتاريخ وشعب كامل.
إن مصر ليست مدينة عابرة في التاريخ، وليست دولة ظهرت بالأمس حتى يُعاد تشكيل صورتها بسهولة، بل هي حضارة ضاربة في عمق الزمن، خرج منها العلماء والقادة والمفكرون والفنانون والأدباء، وكانت دائمًا ملجأ للشعوب وقت الشدائد، ومركزًا للعلم والثقافة والدين والسياسة في المنطقة كلها.
ومن الظلم أن تُختزل كل هذه العظمة في مشاهد سوداوية مصطنعة لا تعبر إلا عن نظرة ضيقة ومشوهة للواقع.
لا أحد يطالب الفن بأن يكون تزييفًا للحقيقة أو أن يتحول إلى دعاية، فكل مجتمع لديه أخطاؤه وأزماته ومشكلاته، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين معالجة العيوب بهدف الإصلاح، وبين تحويل الوطن كله إلى خرابة كبيرة على الشاشة.
فالعمل الوطني الحقيقي هو الذي ينتقد من أجل البناء، لا الذي يهدم ويشوّه ويزرع الكراهية واليأس داخل نفوس الناس.
إن أخطر أنواع الهزيمة ليست الهزيمة العسكرية ولا الاقتصادية، بل الهزيمة النفسية، حين يكره الإنسان وطنه، ويحتقر تاريخه، ويشعر بالخجل من هويته بسبب ما يُغرس في عقله يوميًا من صور مشوهة ومبالغات مقصودة.
وحين يصل الشعب إلى هذه المرحلة، يصبح من السهل جدًا العبث بوعيه وتاريخه ومستقبله.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا كل هذا الإصرار على تشويه مصر؟ ولمصلحة من تُقدَّم دائمًا بصورة مهزوزة ومكسورة ومليئة بالقبح واليأس؟
ولماذا تتحول أخطاء المجتمع الطبيعية، الموجودة في كل بلاد الدنيا، إلى مادة دائمة لتصدير صورة سوداوية عن وطن كامل يمتلك واحدًا من أعظم التواريخ الإنسانية؟
الحقيقة أن تشويه الأوطان ليس أمرًا عشوائيًا دائمًا، فحين تُضرب صورة الوطن في عيون أبنائه، يضعف الانتماء، وتهتز الثقة، ويبدأ الناس في احتقار تاريخهم وهويتهم وحضارتهم.
وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة يقتنع فيها أن بلده بلا قيمة، يصبح مستعدًا للتخلي عنها نفسيًا وثقافيًا وحتى أخلاقيًا، وهنا تكون الهزيمة الحقيقية قد بدأت.
إن الدول القوية تعرف جيدًا قيمة “القوة الناعمة”، ولذلك تدافع عن صورتها بكل الوسائل، وتنتج أعمالًا تُظهر حضارتها وثقافتها وقيمها، حتى وإن كانت تخفي خلفها صفحات سوداء لا تُقارن بما يُقال عن غيرها.
أما نحن، فأصبح البعض يتعامل مع مصر وكأنها مشروع دائم للهدم والتقليل والسخرية والتشويه، حتى صار المشاهد يرى في كثير من الأعمال بلدًا بلا جمال، ولا أخلاق، ولا حضارة، ولا إنسانية.
وللأسف هناك من يظن أن الطريق إلى الشهرة العالمية أو التصفيق الخارجي يمر عبر الإساءة إلى وطنه وتقديمه بصورة متخلفة ومتوحشة، فيبالغ في عرض القبح ويتجاهل كل ما هو مضيء ومشرق.
وكأن نجاح بعض الأعمال أصبح مرتبطًا بكمية الإهانة التي تُلقى على المجتمع والتاريخ والناس.
إن تشويه مصر لا يضر الدولة فقط، بل يضر الأجيال الجديدة التي تنشأ وهي فاقدة للفخر والانتماء، ويضر صورة المصري في الخارج، ويضر السياحة والثقافة والهوية، ويزرع داخل النفوس شعورًا دائمًا بالإحباط وانعدام الثقة.
فالإنسان الذي يُقنعونه كل يوم أن بلده سيئة ومتخلفة وفاشلة، قد يفقد مع الوقت الرغبة حتى في إصلاحها.
لكن رغم كل ذلك، ستبقى الحقيقة أكبر من أي حملات تشويه، لأن مصر لم تُبنَ بفيلم، ولن تسقط بمشهد، ولم تصنعها الدراما حتى تهدمها الدراما.
مصر التي صمدت آلاف السنين أمام الغزاة والمؤامرات والأزمات، ستظل قادرة على حماية صورتها الحقيقية مهما حاول البعض طمسها أو تزويرها.
ويبقى الواجب الحقيقي على كل صاحب قلم وفكر وفن أن يكون أمينًا، لا مُطبّلًا ولا مُشوّهًا، وأن يدرك أن نقد الأوطان شيء، وتحويلها إلى مادة دائمة للاحتقار شيء آخر تمامًا.
فالوطن ليس سلعة تُباع من أجل جائزة، ولا تاريخًا يُزوَّر من أجل مشهد، ولا شعبًا يُهان من أجل تصفيق عابر.
وفي ختام هذا الحديث، يبقى الأمل الحقيقي معقودًا على وعي شباب مصر، لأن أخطر الحروب لم تعد تُخاض بالدبابات والسلاح فقط، بل بالأفكار والصور والمشاهد والكلمات التي تتسلل بهدوء إلى العقول عبر ما يُعرف بالقوة الناعمة.
فالفن والإعلام والدراما يمكن أن يكونوا وسيلة لبناء الأمم ورفع وعي الشعوب، لكنهم قد يتحولون أيضًا إلى أدوات خطيرة لتشويه الهوية وكسر الانتماء إذا وقعت في أيدي من لا يريدون الخير لهذا الوطن.
ولذلك يجب على الشباب أن يدركوا أن ليس كل ما يُعرض على الشاشة حقيقة، وليس كل عمل يُقدَّم تحت شعار الجرأة أو العالمية أو الواقعية يحمل نية صادقة للإصلاح.
فهناك أعمال يتم دعمها والترويج لها بشكل غريب لأنها تخدم صورة معينة يراد ترسيخها عن مصر والمجتمع المصري، صورة تُظهر الوطن وكأنه بلا تاريخ ولا قيم ولا أخلاق ولا حضارة، وكأن شعبه لا يعرف سوى الفوضى والعنف والانهيار.
ومن حق أي إنسان أن يتساءل: لماذا تُفتح الأبواب وتُسلَّط الأضواء أحيانًا على الأعمال التي تُسيء لمصر أكثر من الأعمال التي تُظهر جمالها وحقيقتها؟
ولماذا تحظى بعض النماذج المشوهة بكل هذا الدعم والانتشار والاحتفاء، بينما يتم تجاهل الأعمال الوطنية الهادفة التي تحترم عقل الناس وتاريخ البلد؟
إن وعي الشباب هو خط الدفاع الحقيقي أمام أي محاولة لاختراق الهوية الوطنية أو ضرب الثقة بين الإنسان ووطنه.
فالقوة الناعمة ليست شرًا في حد ذاتها، لكنها تصبح خطيرة حين تُستخدم لتزييف الوعي وغرس الإحباط وتحويل الأجيال الجديدة إلى أجيال فاقدة للفخر بتاريخها وحضارتها.
ولا يعني ذلك رفض الفن أو معاداة الإبداع أو إغلاق باب النقد، بل العكس تمامًا، فالفن الحقيقي هو الذي يبني ولا يهدم، ويعالج الأخطاء دون أن يحول الوطن كله إلى صورة سوداء، ويكشف العيوب بهدف الإصلاح لا بهدف نشر الكراهية واليأس وفقدان الانتماء.
إن مصر تحتاج اليوم إلى شباب يقرأ ويفكر ويبحث خلف ما يُعرض عليه، شباب لا يصدق كل ما يراه دون وعي، ولا يسمح لأحد بأن يزرع داخله احتقار وطنه أو التشكيك في تاريخه وهويته.
فالأمم التي تحافظ على وعي أبنائها لا يستطيع أحد إسقاطها مهما أُنفق من أموال، ومهما استُخدمت من وسائل وأساليب ناعمة وخفية.
وستبقى مصر، رغم كل شيء، أكبر من أي حملات تشويه، وأقوى من أي محاولات لهدم صورتها، لأن قوة الأوطان الحقيقية لا تأتي فقط من السلاح أو الاقتصاد، بل من وعي شعوبها وإيمانهم بتاريخهم وقدرتهم على التمييز بين الفن الذي يخدم الوطن، والفن الذي يُستخدم ستارًا لتشويه روحه وهويته.












محكمة الجنح تؤيد حبس متهمين فى قضية ”خناقة كمبوند الفردوس” سنة و6...
حبس حبيبة رضا 6 أشهر بتهمة نشر فيديوهات خادشة
سقوط أخطر تاجر مخدرات بكفر صقر بحوزته هيدرو وهيروين وسلاح ناري
اتهام حمو بيكا بسرقة فيلا وإتلاف محتوياتها في أكتوبر
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل