الأربعاء 20 مايو 2026 11:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د . ماجده عبد الحي تكتب : ليست كلّ الخسارات موتًا… بعضُها امرأة

د. ماجده عبدالحي
د. ماجده عبدالحي

حين نخسر الطمأنينة… لا نخسر شخصًا فقط

هناك أشخاصٌ يمرّون في حياتنا مرورًا عابرًا، وآخرون يتركون أثرًا يشبه الندبة في الروح، لا يختفي مهما مرّ الزمن.
وحين نفقد أحد هؤلاء، لا يكون الفقد مجرّد غياب إنسان، بل غياب شعورٍ كاملٍ بالأمان والسكينة والطمأنينة.

أحيانًا يظنّ الناس أنّ الحزن الحقيقي يكون في خسارة الحب، لكن الحقيقة الأعمق أنّ أقسى الخسارات هي أن تخسر الشخص الذي كان يهدّئ فوضاك الداخلية، ويمنح قلبك شعورًا نادرًا بأن العالم، رغم قسوته، ما زال يحتفظ ببعض الرحمة.

لقد خسرتُ امرأةً لم تكن جميلة الملامح فقط، بل كانت تملك جمالًا من نوعٍ آخر؛ جمال الروح النقيّة التي يصعب أن تتكرّر.
امرأةً كان حضورها يطفئ الضجيج، وحديثها يُشبه الطمأنينة حين تتحوّل إلى صوت.

كانت ذكيّة بصورةٍ تثير الإعجاب، متفوّقة في علمها وعملها، تحمل عقلًا ناضجًا يعرف كيف يواجه الحياة بثبات، ومع ذلك كانت تحتفظ بداخله بروح طفلة ترى الفرح في التفاصيل الصغيرة.
كانت تنجح بصمت، وتتألّم بصمت، وتُجيد إخفاء تعبها خلف ابتسامة هادئة، حتى ليظنّ الجميع أنّها بخير دائمًا.

ورغم كل ما وصلت إليه، لم تُفسدها الحياة، ولم يجعلها النجاح متعالية يومًا.
بل كانت شديدة التواضع، قريبة من الجميع، تمنح من قلبها بلا حساب، وكأنّ الرحمة خُلقت فيها بالفطرة.

كانت تُرهق نفسها من أجل راحة الآخرين، وتُفضّل أن تتحمّل الحزن وحدها على أن تُشعر من تحبّهم بثقل ما بداخلها.
حتى حين كانت تتحدّث عن همومها، كانت تفعل ذلك بخجلٍ وكأنّها تخشى أن تُزعج أحدًا بألمها.

وكم هو مؤلم أن يحمل أنقى الناس هذا الشعور القاسي… شعور أنهم عبء على الآخرين.

هي التي كان وجودها وحده كافيًا ليمنح من حولها دفئًا لا يوصف، كانت تظنّ أحيانًا أنّ حزنها ثقيل، وأنّ تعبها قد يُرهق من يحبّونها، بينما الحقيقة أنّها كانت أكثر الأرواح قدرةً على التخفيف عن الجميع، حتى وهي مثقلة بالجراح.

وفي عالمٍ أصبحت فيه القلوب قاسية وسريعة النفاد، كانت هي تملك قلبًا يعرف التسامح بطريقة نادرة.
كم أخطأتُ بحقّها، ثم عدتُ معتذرًا، فوجدتها تغفر وكأنّ قلبها لا يعرف القسوة أصلًا.
لم تكن مسامحتها ضعفًا، بل نقاءً استثنائيًّا، ذلك النوع من النقاء الذي يجعل الإنسان يخشى خسارة صاحبه إلى الأبد.

كنتُ أسألها دائمًا:
“هل أنا أستحقّك حقًا؟”

ولم يكن السؤال بدافع المجاملة، بل لأنني كنتُ أدرك منذ البداية أنّها ليست شخصًا عاديًا يمكن أن يتكرّر بسهولة.
كنتُ أعرف أنّها مختلفة، وأنّ خسارتها لن تكون أمرًا يمكن تجاوزه مع الوقت، ومع ذلك… انتهى الأمر بخسارتها فعلًا.

بعض الأشخاص لا نعوّضهم مهما حاولنا.
ليس لأنّ الحياة ستتوقّف بعدهم، بل لأنّهم كانوا يحملون شيئًا لا يُشبه أحدًا سواهم.

وحين نفقد شخصًا كان يمنحنا الطمأنينة، يصبح العالم أكثر ضجيجًا، وتصبح الأيام أكثر برودة، ويظلّ في القلب فراغٌ لا يملؤه أحد.

وربما لهذا السبب، يبقى الدعاء آخر ما يتمسّك به القلب حين يعجز عن النسيان.
أن تدعو الله في هدوء الليل أن يُعيد إليك روحًا أحببتها بصدق، ليس ضعفًا، بل لأنّ بعض الأرواح حين تغادر، تترك خلفها جزءًا منّا لا يعود كما كان أبدًا.

لقد خسرتُ امرأةً اجتمع فيها الحُسن، والعقل، والرحمة، والطموح، والوفاء، والقدرة العجيبة على الاحتواء.
وخسارتي الكبرى لم تكن أنّني لم أعرف قيمتها… بل أنّني عرفتها جيدًا، وأدركتُ ندرتها منذ اللحظة الأولى، ثم عجزتُ رغم ذلك عن الحفاظ عليها.

فهناك بشرٌ نادرون إلى درجة أنّ العمر كلّه قد يمضي، دون أن يمنحنا شبيهًا لهم مرّةً أخرى.

د . ماجده عبد الحي ليست كلّ الخسارات موتًا… بعضُها امرأة الجارديان المصريه