الأربعاء 20 مايو 2026 11:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

المستشار محمد خلف حسن يكتب : قراءة في المادة 72 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد... بين طموح الرقمنة وتحديات الواقع العملي

المستشار محمد خلف حسن
المستشار محمد خلف حسن

عند قراءة نص المادة 72 من القانون الجديد وتحليلها من وجهة نظر قانونية وعملية تكشف أن المشرع وضع نصاً قوياً يعالج ثغرات تاريخية لكن عند إنزاله على أرض الواقع العملي تظهر بعض الأوجه التي قد نراها قصورا أو ثغرات تحتاج إلى ضبط تنظيمي
ويمكن تلخيص أبرز نقاط القصور المحتملة فيما يلي:
1. إشكالية غياب الإلزام بالتوقيع الإلكتروني أو التوثيق
النص سمح بالإعلان عبر رقم هاتف محمول أو بريد إلكتروني.. ولكنه لم يشترط أن يكون هذا الرقم أو البريد موثقاً رسمياً (مثل ربطه بالرقم القومي لدى شركات الاتصالات أو منصة مصر الرقمية)
وجه القصور: قد يقوم المتهم أو المجني عليه بإعطاء رقم هاتف عشوائي أو رقم مسجل باسم شخص آخر أو بريد إلكتروني وهمي صحيح أن الجزاء هو الإعلان في قلم الكتاب لكن هذا سيظهر بعد فوات الأوان وضياع وقت التحقيق في إرسال رسائل لا تصل لأصحابها
2. غياب معيارالعلم اليقيني في الوسائل الرقمية
في الإعلانات الورقية التقليدية يوقع الشخص بالاستلام مما يثبت "العلم اليقيني" أما في الإعلان الرقمي (مثل رسائل الـ SMS أو البريد الإلكتروني)
وجه القصور: النص لم يحدد كيف تتحقق النيابة من وصول الرسالة وقراءتها ماذا لو كان الهاتف مغلقاً؟
أو البريد الإلكتروني ممتلئاً أو ذهبت الرسالة مجلد الرسائل غير المرغوب فيها القانون لم يوضح ما إذا كان مجرد "الإرسال" يكفي لاعتبار الإعلان صحيحاً أم يجب ثبوت الاستلام
3. إعفاء غريب للمتهم في مرحلة ما قبل المثول
نصت الفقرة الثانية على: "ويجب على المتهم عقب مثوله في أي إجراء... أن يعين له موطناً مختاراً..."
وجه القصور: اشتراط "عقب مثوله" يعني أن المتهم الهارب أو الذي لم يتم القبض عليه بعد أو الذي يراد استدعاؤه لأول مرة للتحقيق لا ينطبق عليه هذا الالتزام وبالتالي ستظل النيابة تواجه نفس العقبات التقليدية في إعلانه للمرة الأولى لحين مثوله وكان الأولى وضع آلية مرنة لإعلان المتهم الغائب منذ البداية (مثل الاعتماد على بياناته المسجلة في بطاقة الرقم القومي أو رخصة القيادة)
4. قسوة الجزاء على "المجني عليه" مقارنة بالمتهم
الفقرة الأولى ألزمت المجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية بتحديد موطن مختار في دائر مقر النيابة أو وسيلة رقمية وإذا أخطأ أو نسي يتم إعلانه في قلم الكتاب
وجه القصور: المجني عليه قد يكون شخصاً بسيطاً أو تعرض لجريمة في محافظة أخرى غير محل إقامته إلزام مجني عليه بسيط (قد لا يملك هاتفاً ذكياً أو بريداً إلكترونياً) بتعيين موطن في دائرة النيابة واعتبار إعلانه في قلم الكتاب صحيحاً إذا لم يفعل قد يؤدي إلى ضياع حقوقه أو حفظ القضية دون علمه مما يخل بمبدأ "حماية الضحايا"
5. عدم تحديد "الجهة الرسمية" المنوط بها الإرسال الرقمي
النص ترك المسألة عامة أو أن يعين رقم هاتف محمول أو بريداً إلكترونياً لإعلانه عليه"
وجه القصور: لم يحدد النص ما هي المنصة أو التطبيق الذي سترسل النيابة من خلاله (هل هو تطبيق واتساب؟ أم رسائل SMS قصيرة؟ أم بريد إلكتروني رسمي للنيابة) غياب هذا التحديد يفتح الباب لـ "الإنكار" من قِبل المتهم أو إمكانية تعرض المواطنين لرسائل "احتيالية" من جهات مجهولة تدعي أنها النيابة العامة لسرقة بياناتهم
كيف يمكن تلافي هذا القصور؟
اعتقد ان هذا القصور ليس بالضرورة عيباً بل يمكن تلافيه من خلال:
التعليمات العامة النيابات : بأن يتم اشتراط تقديم "صورة عقد الخط" أو ما يثبت ملكية الرقم القومي لصاحب الرقم المحمول
التكامل الرقمي: ربط الإعلانات القضائية بمنظومة "الحكومة الإلكترونية" (مثل إرسال الإشعار عبر تطبيق رسمي معتمد كـ "مصر الرقمية")
إصدار لائحة تنفيذية: تفصل وتفسر بدقة شروط الإرسال والاستلام الرقمي (مثل اعتبار الرسالة مسلمة بمجرد ظهور مؤشر الاستلام)
و ختاماً
إن المادة 72 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد وإن كانت تمثل قفزة شجاعةً نحو 'عدالة ناجزة' تليق بالجمهورية الجديدة إلا أن نبل الغاية لا يغني عن دقة الوسيلة إننا لسنا ضد الرقمنة ولكننا نؤمن أن 'اليقين القانوني' هو قدس أقداس المحاكمات المنصفة لذا فإن ضبط هذه الثغرات بالتعليمات القضائية الملزمة هو الضمانة الوحيدة لكي لا يتحول البريد الإلكتروني إلى مقبرة للحقوق أو تصبح الرسالة النصية ثغرة يتسلل منها البطلان ليهدم صرح العدالة إن هدفنا هو قانون يواكب العصر بروح التكنولوجيا ولكن بقلب العدالة التي لا تعرف الشك

المستشار محمد خلف حسن قراءة في المادة 72 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد بين طموح الرقمنة وتحديات الواقع العملي الجارديان المصريه