الأربعاء 20 مايو 2026 11:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : ثمانون عاماً من إنشاء جامعة الدول العربية... ماذا حققت يا سادة يا كرام؟

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

ثمانون عاماً مرت على إنشاء جامعة الدول العربية، ذلك الكيان الذي وُلد في زمن كانت فيه الأمة العربية تحلم بالوحدة، وتتطلع إلى مستقبل يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويصنع للعرب ثقلاً بين الأمم بعد سنوات طويلة من الاحتلال والتمزق والتبعية.
ثمانون عاماً مضت منذ أن اجتمع القادة العرب تحت سقف واحد، ورفعوا شعار التعاون والتضامن والدفاع المشترك، على أمل أن تكون الجامعة بيت العرب الكبير، وصوتهم الموحد، ودرعهم أمام الأخطار والتحديات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبعد كل تلك العقود الطويلة:
ماذا تحقق فعلاً؟
وماذا جنت الشعوب العربية من وراء تلك الاجتماعات والقمم والبيانات والقرارات؟
وهل استطاعت الجامعة أن تكون بحجم أحلام العرب وآمالهم؟ أم أنها تحولت مع مرور الزمن إلى مجرد مؤسسة تُصدر الكلمات بينما الواقع العربي ينزف ألماً وانقساماً؟
لقد شهدت المنطقة العربية خلال ثمانين عاماً حروباً وانقسامات وكوارث ومؤامرات وتدخلات أجنبية لم تتوقف، بدءاً من القضية الفلسطينية التي كانت وما زالت الجرح الأكبر في قلب الأمة، مروراً بالحروب الأهلية والانقلابات والصراعات السياسية والطائفية، وانتهاءً بما تعيشه بعض الدول العربية من أزمات اقتصادية واجتماعية خطيرة تهدد استقرارها ومستقبل شعوبها.
وفي كل أزمة كان المواطن العربي البسيط ينظر إلى جامعة الدول العربية منتظراً موقفاً قوياً يليق بحجم الحدث، لكنه في أحيان كثيرة كان يسمع بيانات الشجب والإدانة أكثر مما يرى حلولاً حقيقية على أرض الواقع.
فكم من قمم عربية عُقدت؟
وكم من قرارات صدرت؟
وكم من ملفات بقيت معلقة دون تنفيذ؟
حتى أصبح كثير من الناس ينظرون إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة تحفظ وحدة العرب وتصون كرامتهم.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الجامعة كان لها أدوار سياسية ودبلوماسية في بعض المراحل، وساهمت في تقريب وجهات النظر أحياناً، واحتضنت العديد من الاتفاقيات العربية، ودعمت بعض القضايا القومية، وسعت إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل بين الدول العربية في أوقات كانت المنطقة فيها على حافة الانفجار الكامل.
لكن المشكلة الكبرى لم تكن دائماً في الفكرة نفسها، بل في الإرادة السياسية العربية، وفي غياب مشروع عربي حقيقي قائم على المصالح المشتركة والعمل الجاد، لا على الخلافات والمصالح الضيقة والحسابات المؤقتة.
لقد كانت الشعوب العربية تحلم بسوق عربية مشتركة، وجيش عربي موحد، وتعاون اقتصادي حقيقي، وتكامل علمي وصناعي وزراعي يجعل الأمة العربية قوة كبرى بما تمتلكه من ثروات وموقع جغرافي وتاريخ وحضارة.
لكن الواقع كشف أن العرب، رغم كل الإمكانيات، ما زالوا بعيدين عن تحقيق الحد الأدنى من الوحدة والتنسيق الحقيقي.
فحدود مغلقة، وخلافات سياسية، وصراعات إعلامية، وتنافسات أنهكت الجسد العربي، وجعلت المواطن العربي يشعر بالغربة حتى داخل وطنه الكبير الذي كان يحلم به.
ثمانون عاماً والعالم يتغير بسرعة هائلة، بينما ما زالت الأمة العربية تدور في دوائر الخلاف نفسها، وكأن الزمن توقف بها عند نقطة الانقسام الأولى.
دول كبرى خرجت من تحت الأنقاض بعد الحروب وأصبحت قوى اقتصادية وعلمية هائلة، بينما ما زال العرب يملكون الثروات والإمكانات لكنهم عاجزون عن تحويلها إلى قوة حقيقية تخدم الإنسان العربي وتحفظ كرامته ومستقبله.
إن أخطر ما يواجه الأمة العربية اليوم ليس فقط الفقر أو الحروب أو التدخلات الخارجية، بل فقدان الثقة بين الشعوب ومؤسسات العمل العربي المشترك.
فالمواطن العربي لم يعد يريد خطابات طويلة ولا بيانات إنشائية، بل يريد أفعالاً حقيقية يشعر بها في حياته اليومية، ويريد وحدة تقوم على العدالة والاحترام المتبادل والتنمية والعلم والعمل والإنتاج.
وربما تكون الذكرى الثمانون لإنشاء جامعة الدول العربية فرصة صادقة لمراجعة النفس، وإعادة تقييم المسار كله، بعيداً عن المجاملات والشعارات.
فالأمم لا تتقدم بالكلمات وحدها، بل بالإرادة الصادقة والعمل الحقيقي والرؤية الواضحة.
وإذا كانت الجامعة قد أخفقت في كثير من الملفات، فإن الأمل ما زال قائماً ما دامت هناك شعوب عربية تؤمن بأن وحدتها ليست رفاهية، بل ضرورة للبقاء في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
إن الأمة العربية ليست فقيرة، وليست قليلة العدد، وليست بلا تاريخ، لكنها تحتاج إلى من يوقظ فيها روح العمل والتكامل والوعي.
تحتاج إلى مشروع عربي جديد يضع الإنسان العربي أولاً،
وفي النهاية، وبعد ثمانين عاماً من إنشاء جامعة الدول العربية، لا يمكن تجاهل الحقيقة المؤلمة التي يشعر بها ملايين العرب اليوم، وهي أن ضعف الجامعة العربية عبر عقود طويلة لم يكن مجرد حالة من العجز السياسي فقط، بل تحول مع الوقت إلى أحد الأسباب التي ساهمت في اتساع حالة الانقسام العربي وتمزيق وحدة الصف بين الأشقاء.
فحين تغيب المؤسسة العربية القوية القادرة على جمع الكلمة وحسم الخلافات وفرض احترام القرارات المشتركة، تصبح الساحة مفتوحة أمام النزاعات والصراعات والتدخلات الأجنبية التي وجدت في ضعف العرب فرصة ذهبية للتغلغل داخل أوطانهم وتمزيق استقرارهم.
لقد كان من المفترض أن تكون جامعة الدول العربية بيتاً عربياً حقيقياً تُحل داخله الأزمات قبل أن تتحول إلى حروب، ومنصة توحد القرار العربي في القضايا المصيرية، لا مجرد مؤسسة تُعقد فيها الاجتماعات ثم ينصرف الجميع كلٌ إلى خلافاته وحساباته الخاصة.
لكن الواقع كشف أن الجامعة، بسبب ضعف آلياتها وغياب الإرادة الموحدة بين أعضائها، لم تستطع في كثير من المحطات التاريخية أن تمنع انقسام العرب أو توقف نزيف الدم العربي أو تحمي بعض الدول من السقوط في الفوضى والانهيار.
ولو كانت الجامعة العربية قوية بحق، تمتلك قراراً موحداً وإرادة مستقلة ومشروعاً عربياً واضحاً، لكان حال الأمة مختلفاً تماماً اليوم.
تخيلوا لو أن العرب توحدوا اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً تحت مظلة عربية قوية تحترمها دول العالم وتحسب لها ألف حساب.
تخيلوا لو أن الثروات العربية وُجهت لبناء الإنسان العربي، وإنشاء أعظم الجامعات والمصانع ومراكز البحث والتكنولوجيا، بدلاً من أن تُهدر في الخلافات والصراعات والحروب.
تخيلوا لو أن القرار العربي كان واحداً في القضايا المصيرية، فلا تستطيع أي قوة خارجية أن تعبث بمصير الدول العربية أو تستغل ضعفها وتفرقها.
لو كانت الجامعة العربية قوية وفاعلة بحق، لكانت الأمة العربية اليوم من أعظم القوى على وجه الأرض، أمة تمتلك الطاقة والثروات والموقع الجغرافي والتاريخ والحضارة والموارد البشرية الهائلة.
ولما اضطر المواطن العربي للهجرة بحثاً عن الكرامة أو العمل أو الأمان، ولما أصبحت بعض الدول العربية ساحات للصراع الدولي والإقليمي.
بل لكان للعرب صوت يُسمع، وقرار يُحترم، ومكانة تفرض نفسها على العالم كله.
إن العالم لا يحترم الضعفاء، ولا يعترف إلا بمن يملك القوة والوحدة والتنظيم والرؤية الواضحة.
ولهذا دفعت الأمة العربية ثمناً باهظاً بسبب التشرذم والانقسام وضعف مؤسسات العمل العربي المشترك، حتى أصبحت بعض الدول العربية تتلقى مصيرها وقراراتها من الخارج بينما يفترض أن يكون القرار نابعاً من إرادة عربية مستقلة تحفظ كرامة الشعوب وسيادة الأوطان.
ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال قائماً، لأن التاريخ علمنا أن الأمم يمكن أن تنهض مهما طال ضعفها إذا امتلكت الإرادة والوعي والشعور بالخطر.
فالجامعة العربية لن تكون قوية بالمباني أو المؤتمرات أو البيانات، بل ستكون قوية عندما يدرك العرب أن وحدتهم ليست مجرد حلم عاطفي، بل ضرورة حياة ومصير ومستقبل.
وعندما تتحول المصالح المشتركة إلى أساس حقيقي للعلاقات العربية، وعندما يصبح الإنسان العربي هو الهدف الأول لكل قرار، عندها فقط يمكن أن تستعيد الأمة مكانتها، ويمكن أن يتحول الحلم العربي القديم إلى واقع تفرضه قوة الوحدة والعمل والإرادة.
وفي الختام، إذا كانت جامعة الدول العربية تريد أن تتحول من مجرد مؤسسة رمزية إلى قوة عربية حقيقية يحترمها العالم ويلتف حولها العرب، فإن ذلك لن يتحقق بالشعارات والخطب والقمم التقليدية فقط، بل يحتاج إلى أدوات حقيقية تصنع القوة وتفرض الاحترام.
فالعالم اليوم لا يعترف إلا بمن يمتلك القرار الموحد، والاقتصاد القوي، والعلم، والإعلام المؤثر، والقدرة على حماية مصالحه والدفاع عن شعوبه.
إن أول ما تحتاجه الجامعة العربية هو إرادة سياسية صادقة من الدول العربية نفسها، لأن أي مؤسسة مهما كان اسمها لن تنجح إذا غابت عنها النية الحقيقية للوحدة والعمل المشترك.
تحتاج الجامعة إلى قرار عربي موحد يجعل مصلحة الأمة فوق المصالح الضيقة والخلافات المؤقتة، ويجعل الأمن العربي مسؤولية جماعية لا قضية تخص دولة وحدها.
كما تحتاج إلى قوة اقتصادية عربية حقيقية تقوم على التكامل لا التنافس، وعلى استغلال الثروات العربية الهائلة في بناء الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتعليم والبحث العلمي.
فالأمة التي تمتلك النفط والغاز والممرات البحرية والموقع الجغرافي والثروات البشرية قادرة على أن تكون من أقوى اقتصاديات العالم إذا توحدت إرادتها.
وتحتاج أيضاً إلى إعلام عربي واعٍ ومسؤول، لا يزيد الانقسامات اشتعالاً، بل يعزز ثقافة الوحدة والانتماء والتفاهم بين الشعوب العربية.
فالإعلام أصبح سلاحاً خطيراً قادراً على بناء الأوطان أو هدمها، وعلى جمع الشعوب أو زرع الفتن بينها.
ومن أهم أدوات القوة كذلك إنشاء منظومة دفاع عربي مشترك حقيقية، تحمي الأمن القومي العربي وتمنع التدخلات الخارجية، لأن الأمة التي لا تستطيع حماية نفسها ستظل دائماً عرضة للضغوط والابتزاز والصراعات المفروضة عليها.
كما أن الجامعة العربية لن تصبح قوية إلا إذا اقتربت من المواطن العربي البسيط، واستطاعت أن تجعله يشعر بأنها تمثله وتحمل همومه وآماله، لا أن تبقى بعيدة عنه داخل القاعات المغلقة والبيانات الرسمية.
فعندما يرى المواطن العربي أن الجامعة تدافع عن لقمة عيشه، وكرامته، ومستقبله، وتعليمه، وأمنه، عندها فقط سيلتف حولها ويؤمن بها.
وتحتاج الجامعة كذلك إلى تجديد شامل في أساليب عملها، بحيث تصبح قراراتها أكثر إلزاماً وفاعلية، لا مجرد توصيات يمكن تجاهلها دون أي أثر.
فالقوة لا تأتي من كثرة الاجتماعات، بل من القدرة على التنفيذ وصناعة التأثير الحقيقي على أرض الواقع.
ولو امتلكت جامعة الدول العربية هذه الأدوات مجتمعة، لتحولت إلى واحدة من أهم القوى الإقليمية في العالم، ولأصبح للعرب مكانة مختلفة تماماً بين الأمم.
حينها فقط سيحترم العالم القرار العربي، وستدرك الشعوب العربية أن وحدتها ليست حلماً مستحيلاً، بل قوة قادرة على صناعة المستقبل وحماية الأوطان وإعادة الكرامة لأمة تستحق أن تكون في مقدمة العالم لا في ذيله.

حسين السمنودى ثمانون عاماً من إنشاء جامعة الدول العربية... ماذا حققت يا سادة يا كرام؟ الجارديان المصرية