الخميس 21 مايو 2026 03:47 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب : السيسي يعيد رسم خرائط الاتزان العربي لمنع انفجار الشرق الأوسط

الكاتب الكبير ضاحي عمار
الكاتب الكبير ضاحي عمار

تتحرك القاهرة بثبات وسط إقليم يموج بالحرائق، وتدفع بثقلها السياسي والدبلوماسي في لحظة باتت فيها المنطقة أقرب إلى إعادة كتابة خرائط النفوذ والتحالفات من جديد. فالجولة الخليجية للرئيس عبد الفتاح السيسي لم تأتِ في إطار الزيارات التقليدية أو بروتوكولات المجاملة السياسية، بل جاءت كتحرك استراتيجي محسوب يحمل في جوهره محاولة مصرية لإعادة الإمساك بخيوط التوازن العربي قبل أن تنزلق المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا.
الشرق الأوسط لم يعد يعيش مجرد أزمات متفرقة، بل دخل بالفعل مرحلة السيولة الاستراتيجية الكاملة، حيث تتداخل الحروب المباشرة مع الصراعات غير التقليدية، وتتراجع الحدود الفاصلة بين الأمن والسياسة والاقتصاد والطاقة. وفي قلب هذا المشهد، تدرك الدولة المصرية أن ترك المجال العربي مفتوحًا أمام الفوضى أو الهيمنة الأحادية يعني عمليًا تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والعربي معًا.
ومن هنا اكتسبت الجولة الخليجية أهميتها الحقيقية، لأنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، تتسارع فيه محاولات إعادة تشكيل المنطقة عبر أدوات القوة العسكرية والضغط الاقتصادي والتحالفات المتغيرة. لذلك تتحرك القاهرة وفق رؤية مختلفة تقوم على منع انهيار النظام الإقليمي العربي، والحفاظ على ما تبقى من مفهوم الدولة الوطنية، في مواجهة موجة استقطاب حادة تضرب المنطقة من كل اتجاه.
اللافت أن التحرك المصري لا ينطلق من منطق الاصطفاف أو الدخول في محاور مغلقة، بل يعتمد على فلسفة سياسية أكثر عمقًا ترتكز على ما يمكن وصفه بإدارة الاتزان لا إدارة الصدام. فالقاهرة تدرك أن البيئة الإقليمية الحالية لم تعد تحتمل سياسات المغامرة أو الحسابات الصفرية، لأن أي انفجار واسع لن يبقي رابحًا حقيقيًا داخل المنطقة.
ولهذا تسعى مصر إلى تثبيت معادلة تقوم على تصفير الاستقطاب قدر الإمكان، والحفاظ على شبكة اتصالات مفتوحة مع مختلف الأطراف، بالتوازي مع دعم التضامن العربي ومنع انزلاق الخليج أو البحر الأحمر إلى ساحات مواجهة ممتدة. فالدولة المصرية تعلم أن سقوط أي توازن داخل الخليج ستكون له ارتدادات مباشرة على الاقتصاد المصري، وأسواق الطاقة، وحركة الملاحة الدولية، والاستثمارات، وحتى الاستقرار الداخلي للدول العربية.
ويبدو واضحًا أن القاهرة تنظر إلى الأمن القومي العربي باعتباره كتلة واحدة لا يمكن فصل أجزائها عن بعضها البعض. فاهتزاز أي دولة محورية في المنطقة لم يعد شأنًا محليًا، بل يتحول سريعًا إلى تهديد عابر للحدود يمتد تأثيره سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا إلى بقية العواصم العربية.
وفي هذا السياق، يؤكد اللواء شبل عبد الجواد أن التحرك المصري الحالي يعكس قراءة دقيقة لطبيعة التهديدات الجديدة التي تواجه المنطقة، موضحًا أن أخطر ما تمر به المنطقة الآن هو غياب التوازن الاستراتيجي وتراجع مفهوم الردع التقليدي، وهو ما يفتح الباب أمام التنظيمات المسلحة والفاعلين غير الدولتيين والقوى الخارجية لإعادة العبث بمصير الدول العربية.
ويضيف أن القاهرة تتحرك بعقلية الدولة التي تدرك حجم المخاطر قبل وقوعها، لذلك ترفض الانجرار إلى صدامات مفتوحة، وفي الوقت نفسه ترفض ترك المجال العربي نهبًا للفوضى أو التفكك، مشيرًا إلى أن الدولة المصرية تدير الملف الإقليمي بمنطق حماية الأمن القومي العربي لا بمنطق المكاسب المؤقتة.
أما المحللة السياسية مها الشريف فترى أن الجولة الخليجية كشفت عن عودة مصر بقوة إلى قلب معادلة التوازن العربي، مؤكدة أن القاهرة أصبحت تتحرك باعتبارها أحد آخر مراكز الثقل القادرة على التواصل مع جميع الأطراف دون الوقوع في فخ الاستقطاب الحاد.
وتوضح أن الرسالة الأهم في التحرك المصري تتمثل في رفض إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة العسكرية وحدها، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الحروب الطويلة لا تنتج استقرارًا بقدر ما تنتج انهيارات ممتدة وفوضى عابرة للحدود. كما تشير إلى أن مصر تراهن على أدوات السياسة والدبلوماسية وإدارة التوازنات باعتبارها المسار الأقل كلفة والأكثر قدرة على حماية ما تبقى من استقرار إقليمي.
التحرك المصري يحمل كذلك أبعادًا اقتصادية لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية والأمنية. فالقاهرة تدرك أن أي اضطراب واسع في الخليج أو البحر الأحمر سوف ينعكس مباشرة على التجارة الدولية، وأسعار الطاقة، وحركة الملاحة، وعوائد قناة السويس، والاستثمارات العربية، وهو ما يفسر حرص الدولة المصرية على دعم التهدئة ومنع الانفجار الإقليمي الشامل.
وفي ظل عالم أصبحت فيه الحروب تُدار أيضًا بالاقتصاد والطاقة والممرات البحرية، لم يعد مفهوم الأمن القومي مقتصرًا على السلاح فقط، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدولة على حماية اقتصادها وتأمين مصالحها الاستراتيجية والحفاظ على استقرار المجال الحيوي المحيط بها.
كما تكشف الجولة أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة تشكيل التحالفات بصورة مختلفة عن العقود الماضية. فالقوى الإقليمية لم تعد تتحرك وفق الشعارات الأيديولوجية القديمة، بل وفق حسابات المصالح والأمن الاقتصادي وتأمين الممرات البحرية ومنع انهيار الدول الوطنية. لذلك تعمل القاهرة على بناء شبكة توازنات مرنة تسمح لها بالحفاظ على علاقاتها العربية والإقليمية دون الانزلاق إلى استقطاب كامل.
ورغم ذلك، تبقى التحديات أمام الدولة المصرية شديدة التعقيد. فالقاهرة تواجه ضغوطًا متزامنة تبدأ من الحرب في غزة، مرورًا بالأزمة السودانية والانقسام الليبي، ووصولًا إلى تهديدات البحر الأحمر وأزمة السد الإثيوبي والتنافس الدولي المتصاعد في شرق المتوسط. وهي ملفات تجعل صانع القرار المصري أمام واحدة من أصعب البيئات الاستراتيجية منذ عقود.
لكن ما يبدو واضحًا أن القاهرة لم تعد تتعامل مع ما يحدث باعتباره أزمات منفصلة، بل باعتباره تحولًا شاملًا يطال شكل النظام العربي نفسه. ولهذا تتحرك مصر الآن باعتبارها دولة تسعى لمنع سقوط الإقليم بالكامل في دائرة الفوضى المفتوحة، عبر إعادة إنتاج مفهوم التوازن العربي في لحظة تاريخية فارقة تتغير فيها خرائط القوة والنفوذ بوتيرة غير مسبوقة.
فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط معركة حدود أو نفوذ، بل معركة بقاء الدولة الوطنية العربية نفسها، وسط شرق أوسط يعاد تشكيله تحت ضغط النار والسياسة والاقتصاد معًا.

ضاحى عمار السيسي رسم خرائط الاتزان العربي منع انفجار الشرق الأوسط الجارديان المصريه