الخميس 21 مايو 2026 09:12 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (8)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

في المقالة السابقة كان الحديث عن بعض نماذج عظمى لعلماء عباقرة أفذاذ
قد تميزوا ، ونبغوا في عدة علوم في آن واحد ، بل منهم من أنشأ علما لم يكن
موجودا من قبل ، ومن تلك النماذج الناصعة كالرازى ، وابن سيناء ، وغيرهما ، ثم سألت نفسى : كيف تعلم الواحد منهم هذه العلوم كلها ؟ ! وكيف أنشأوا علوما لم تكن موجودة من قبل ؟ ! وما تلك العقليات الفذة التي أشعلت بعلمهم القناديل
المعتمة للعالم بأسره ؟ ! إنها حقا من كرامات الله لهم ، وإعجازاته لإخلاصهم فى شتى ميادين العلم ، ويا ترى على يد من تتلمذوا ؟ ! إنهم بلا شك قد تتلمذوا على يد من كان قبلهم من العلماء ، إلى أن وصل بهم إلى المعلم الأكبر رسول الله ﷺ
وفى هذه المقالة المتواضعة سألقى الضوء على نموذج واحد من أقوال ذلك المعلم ﷺ ثم أضعه على الطاولة ،لنحاول سويا أن نستنبط ما فيه من معان ،وعلوم
أكاديمية متخصصة ، كى نتعرف على تلكم الشخصية العالمية العظيمة ، ولكنى
أقف متحيّرا .. أي حديث له ﷺ أعرضه ؟ نعم إن جميع أحاديثه تنم عن مكانته العلمية ، والثقافية ،والخلقية ، والسلوكية .. نعم إنه أستاذ الأساتذة من غير منازع .. نعم إنه لرسول الله حقا ، وصدقا ، ويقينا ، ولكنى سأبذل قصارى جهدى
مستعينا بالله تعالى ، وسأختار حديثا بالرغم أننى غير كفء لذلك ، لعلمى البسيط ، ولذا خطر على ذهنى قوله ﷺ "إنَّ أحدَكم يُجْمَع خلْقُهُ في بطن أمِّه أربعين يوما نطفةً ، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك ، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلك ، ثم يبعث الله إليه ملَكا
، ويُؤمر بأربعِ كلماتٍ ، ويُقالُ له : اكتب عملَه ، ورزقَه ، وأجلَه ، وشقيٌّ ، أو
سعيدٌ ،ثم يُنفخ فيه الروح ، فإنَّ الرجل منكم ليعمل بعملِ أهلِ الجنةِ ، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ ، فيسبقُ عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخل النار ، وإنّ الرجل ليعمل بعمل أهلِ النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهلِ الجنة ، فيدخل الجنةَ"إذا تأملنا ذلكم الحديث ستجد
أنه يحمل بين طياته معان جمّة لعدد من التخصصات ، بالرغم من إيجاز كلماته ،
وجمله ، وأتساءل : كيف يقال ذلك الحديث منذ أكثر من ألف وأربعمائة عاما؟!
وكأنه ﷺ يسابق الزمان ، والمكان بعلمه ! بل سبقهما بمراحل لا تعدّ ، ولا
تحصى ، في الوقت الذى كان العالم حينئذ يعرف بالكاد ألف باء فقط من العلم ، وكانت امبراطورية الفرس ، والروم من أعظم الممالك في العالم كله ، وكانت
الفيلة من أحدث عتاد الفرس العسكرى والذى أدهشت القبائل العربية ، وفاجأتهم
بهذا السلاح الذى لم يكن معروفا من قبل ، وكان العرب حينها عبارة عن قبائل متحاربة ، ومتشرذمة يحاربون بعضهم بعضا بالسيوف ، ولأتفه الأسباب ! وقد
كان حالهم يرثى له في شتى الميادين ، كما أن هذا الحديث يدرّس الجزء الأول
منه الآن في أرقى جامعات العالم ! وهو الجزء الخاص بمراحل تكوين الجنين في بطن أمه .. أما الجزأين الثانى ، والثالث المتبقيين اللذين يبدآن من قوله ﷺ "ثم يبعثُ الله إليه ملَكا ، ويُؤمرُ بأربع كلمات ، ويُقالُ له : اكتب عملَه ،ورزقَه ، وأجلَه، وشقيٌّ ، أو سعيد" إلى آخر الحديث ، لم يتوصل العلماء الأكادميين إليه ، ولا قبل لهم بها حتى الآن ، ولن يتوصلوا إليه ، لأن الإنسان عامة عاجز تماما عن معرفة شيئا عن مستقبله ، لأن ذلك في علم الله المطلق فقط ، يقول تعالى "إِنَّ اللَّه عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا في الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نفْس مَّاذَا تَكْسِب
غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إن َاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير" أما الجزء الثالث الذى
يبدأ من قوله ﷺ "فإنَّ الرجل منكم ليعمل بعملِ أهلِ الجنة" إلى آخر حديثه ﷺ فإن
المعلم الأكبر رسول الله ﷺ يذكر للإنسانية الوقاية من مرض خطير يفتك بهم ، وكأنه طبيب استشارى ، ولكنه أجلّ من ذلك ، وأعظم ، أما ذلك المرض هو إعجاب المرء بعبادته ،وحسن عمله ، وكأنه يقول للناس "أن قلبى سليم مائة في المائة ، وأضمن لنفسى دخول الجنة !" عجبا ! ثم انتقل ﷺ إلى درس هام في التنمية البشرية ، وهو : على كل إنسان يجب عليه أن يقف مع نفسه دوما ، ويراجعها ، ويقاومها ليتخلص من سلبياته ، وفى نفس الوقت عليه أن يقوم بدعم إيجابياته ! نعم إن هذا الحديث ينم عن شخصيته ﷺ العلمية الفريدة ، والمتميزة التي لا مثيل لها عبر التاريخ ، وشهد بذلك الكثيرون ، فمنهم الكاتب ، والمؤرخ
العالمىّ "مايكل هارت" بأستاذيته ﷺ بل وضعه على رأس قائمة المائة شخصية الأكثر تأثيرا في التاريخ في كتابه الشهير "العظماء مائة ، وأعظمهم محمد" وذكر
الأسباب قائلا "لأنه الشخص الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على
المستويين الديني والدنيوي" كما شهد أيضا الكاتب الأيرلندي والمسرحي
الشهير"جورج برنارد شو" بذلك قائلا "لو كان محمد حيا لحل مشاكل العالم أجمع
، وهو يحتسي فنجانا من القهوة"أي عظمة هذه ؟ ! نعم إنه لرسول الله ﷺ .

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (8) الجارديان المصريه