الأربعاء 10 يونيو 2026 08:52 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد الشافعى يكتب: كأس العالم 2026.. حين تسقط شعارات ”الفيفا” تحت أقدام السياسة والأمن الأمريكي

الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعى
الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعى

لطالما تغنى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بشعارات رنانة ملأت الدنيا وشغلت الناس؛ "فصل الرياضة عن السياسة"، و"رفض التدخل الحكومي أو الأمني في شؤون اللعبة"، وهي سياط طالما أشهرتها الفيفا في وجه اتحادات وطنية ودول نامية بمجرد حدوث أدنى تقاطع بين الرياضة والسياسة، مهددة بالتجميد والإقصاء للحفاظ على "عذرية اللعبة ونزاهتها".
ولكن، ما نراه اليوم في كواليس وتنظيم كأس العالم 2026، يكشف عن ازدواجية معايير صارخة، ويضع الفيفا في موقف حرج، حيث تبدو تلك الشعارات وكأنها حُبر على ورق، تُمحى بمجرد أن تصطدم بالهيمة الأمريكية والإجراءات الأمنية التعسفية المستفزة.
الإجراءات الأمنية الأمريكية: بغْي وظلم للرياضة
إن ما تشهده النسخة الحالية من تنظيم، تحت السطوة الأمنية للولايات المتحدة (الشريك الأكبر في التنظيم الثلاثي)، يمثل تعدياً سافراً على روح اللعبة. فالقيود الصارمة والمستفزة، سواء في منح تأشيرات الدخول للبعثات الرياضية، أو التدقيق الأمني المبالغ فيه الذي يطال الجماهير والإعلاميين بناءً على خلفياتهم السياسية أو جنسياتهم، يحول عرس المونديال العالمي من كرنفال شعبي للاحتفال، إلى ثكنة عسكرية محكومة برؤية أمنية أمريكية ضيقة.
الظلم هنا لا يقع على الجماهير فحسب، بل يمتد إلى الرياضيين أنفسهم؛ حيث يجد بعض اللاعبين أو الإداريين أنفسهم ضحايا لقرارات سياسية وأمنية مسبقة، تُعيق وصولهم أو تُربك استعداداتهم، وهو ما يمثل "البغي والغيّ" بعينه في حق منظومة رياضية من المفترض أنها تجمع العالم ولا تفرقه.


أين الفيفا؟ .. التبعية المقنعة
السؤال اللامع والملحّ اليوم: أين الفيفا من كل هذا؟ أين هذا الكيان الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها إذا تدخلت حكومة في قارة آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية في شأن اتحادها المحلي؟
إن استجابة الفيفا وخنوعها للقرارات الأمنية والسياسية الأمريكية المستفزة يكشف عورة النظام الرياضي العالمي الحالي. فالخوف من خسارة العوائد المالية الضخمة، أو الرهبة من النفوذ السياسي والاقتصادي لواشنطن، جعل الفيفا شريكاً في هذا الظلم، وممرراً لقرارات تجعل من نسخة 2026، رغم اتساعها الرقمي وزيادة عدد المنتخبات، واحدة من أسوأ نسخ كأس العالم على مدار الزمان من حيث الروح والعدالة المفتقدة.
مآل السقوط: نسخة للنسيان
عندما تتدخل السياسة الأمنية لبلد ما لتحدد من يدخل ومن يخرج، ومن يفرح ومن يُقصى خلف أسوار المصالح الضيقة، تفقد كرة القدم جاذبيتها. إن رضوخ الفيفا يحول المونديال من "كأس العالم" لكل الشعوب، إلى "كأس المعايير الأمريكية".
خلاصة القول: إن التاريخ لن يرحم الفيفا، وسيسجل أن نسخة 2026 كانت المحطة التي سقطت فيها الأقنعة تماماً، وتبخرت فيها شعارات "استقلالية الرياضة"، لتثبت اللعبة مجدداً أنها -في منظار الكبار- مجرد أداة سياسية، وأن الفيفا لم تكن يوماً مستقلة، بل هي قوية على الضعفاء، ومطيعة في حضرة الأقوياء.

محمد الشافعى كأس العالم 2026 شعارات ”الفيفا” الجارديان المصريه