د. ماجده عبد الحي تكتب: اهتزاز الروح.. حين لا تكون النجاة نهاية الألم
يظن كثيرون أن الألم ينتهي بمجرد تجاوز المحنة، وأن الإنسان إذا عبر خسارةً كبيرة أو نجا من تجربة قاسية فإنه يعود تلقائيًا إلى حياته كما كان. لكن النفس البشرية لا تعمل بهذه البساطة.
فبعض الأحداث لا تترك جرحًا عابرًا، بل تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. قد يواصل حياته، ويؤدي أدواره اليومية، ويبتسم للآخرين، لكنه في أعماقه يخوض رحلة أخرى أكثر تعقيدًا وهدوءًا… رحلة إعادة اكتشاف ذاته.
وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه “اهتزاز الروح”.
إنه ذلك الاضطراب الخفي الذي لا تراه العيون، ولا تظهره التقارير الطبية، ولا يمكن قياسه بالأرقام. حالة إنسانية يعيشها المرء عندما يجد نفسه واقفًا بين عالمين: عالمٍ فقده، وعالمٍ جديد لم يتعرف إليه بعد.
“أصعب ما يمر به الإنسان ليس لحظة الفقد، بل لحظة النجاة منه؛ حين يدرك أنه ما زال حيًا، لكنه لم يعد الشخص نفسه.”
هذه هي الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون.
فالإنسان لا يتألم فقط بسبب ما فقده، بل بسبب النسخة القديمة من نفسه التي رحلت مع ذلك الفقد. تتغير نظرته للحياة، وتُعاد صياغة أولوياته، وتصبح الأسئلة التي لم يكن يلتفت إليها يومًا محورًا لتفكيره وتأمله.
بعد الخسارات الكبيرة لا يعود الإنسان كما كان، حتى وإن بدا كذلك للآخرين. قد يصبح أكثر حكمة، لكنه أقل اندفاعًا. أكثر فهمًا للحياة، لكنه أقل انبهارًا بها. أكثر قدرة على الاحتمال، لكنه أكثر حساسية تجاه الألم الإنساني.
والمفارقة أن المجتمع يحتفي بالناجين، لكنه نادرًا ما ينتبه إلى معاركهم الداخلية بعد النجاة. يتوقع منهم أن ينسوا سريعًا، وأن يستعيدوا قوتهم فورًا، وأن يتعاملوا مع ما حدث باعتباره صفحة وانتهت.
لكن بعض الصفحات لا تُطوى، بل تتحول إلى فصول جديدة من الوعي والنضج.
ومن منظور الصحة النفسية، فإن ما نسميه “اهتزاز الروح” قد يكون استجابة إنسانية طبيعية للأحداث الصادمة والخسارات الكبرى، وليس بالضرورة مؤشرًا على اضطراب نفسي. فالعقل يحتاج إلى وقت لإعادة تفسير ما حدث، والوجدان يحتاج إلى مساحة كافية للتكيف مع الواقع الجديد. لذلك فإن منح الإنسان حقه في الحزن والتأمل والتعافي يُعد جزءًا أساسيًا من الصحة النفسية السليمة، تمامًا كما يحتاج الجسد إلى الراحة بعد الإصابة.
إن اهتزاز الروح ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل لحظة صدق نادرة يواجه فيها الإنسان نفسه بلا أقنعة. يراجع أفكاره، ويعيد ترتيب قناعاته، ويتعلم أن الحياة ليست كما كان يتخيلها، وأن القوة لا تعني غياب الألم، بل القدرة على الاستمرار رغم وجوده.
ولعل أجمل ما في هذه المرحلة أنها تكشف للإنسان معادن لم يكن يعلم بوجودها داخله. فمن بين الركام يولد الصبر، ومن قلب الخسارة ينمو الامتنان، ومن عمق الانكسار تتشكل الحكمة.
لهذا لا ينبغي أن نخاف من اهتزاز الروح، ولا أن نخجل منه.
فالأرواح التي لم تهتز يومًا، لم تختبر عمق الحياة حقًا.
أما الأرواح التي مرت بالعواصف ثم واصلت السير، فهي وحدها التي تعرف أن النجاة ليست نهاية الحكاية، بل بداية إنسان جديد أكثر وعيًا، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على فهم نفسه والآخرين.
فمثلما تهتز الأرض لتعيد ترتيب ما بداخلها، تهتز الروح أحيانًا لتعيد بناء الإنسان من جديد.
“فالنجاة ليست دائمًا نهاية الألم، لكنها قد تكون بداية النضج، وبداية التصالح مع الذات، وبداية اكتشاف القوة الحقيقية التي تولد من رحم الانكسار.”












القبض على اللاجئ السوداني صاحب واقعة ”تريند المترو”|تفاصيل
تأجيل محاكمة سارة خليفة بتهمة هتك عرض شاب لـجلسة 12 يونيو
الداخلية تضبط تشكيلاً عصابياً لاستغلال الأطفال في أعمال التسول بالجيزة
القبض على يحيي الصعيدي بعد صدور حكم بحبسه
سعر الدولار اليوم الجمعة 5 يونيو 2026..
أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 5 يونيو..
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم