الخميس 11 يونيو 2026 01:11 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودي يكتب : منتج مفلس ومخرج كحيان وبطل بيكح تراب

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في زمنٍ مضى، كان المنتج الفني رجلًا يملك المال والفكرة والطموح، وكان المخرج صاحب رؤية، وكان البطل نجمًا يملأ الدنيا ضجيجًا. أما اليوم فقد أصبح المشهد مختلفًا تمامًا. فنحن نعيش عصر المنتج المفلس والمخرج الكحيان والبطل الذي بيكح تراب، وهي منظومة فنية متكاملة نجحت في تحويل الفن من صناعة للإبداع إلى مشروع لتسديد الديون ومطاردة الفواتير المتأخرة.
المنتج المسكين لم يعد يبحث عن نص جيد أو فكرة جديدة، بل يبحث عن ممول أو شريك أو قريب مغترب يشاركه الخسائر قبل الأرباح. يجلس أمام الكاتب وهو يحسب تكلفة كوب الشاي الذي يشربه، ويعتبر كل مشهد خارجي مؤامرة مالية تستهدف ما تبقى من رصيده البنكي.
أما المخرج فقد أصبح أشبه بقائد سفينة مثقوبة في بحر هائج. يحاول أن يبدو عبقريًا أمام الجميع، لكنه في الحقيقة يقضي نصف وقته في إقناع المنتج بأن التصوير يحتاج معدات تعمل أصلًا، والنصف الآخر في إقناع الممثلين بالحضور لأن أجورهم لم تصل منذ شهور.
وفي المنتصف يقف البطل، ذلك الكائن الفني النادر الذي كان يومًا ما نجمًا، فأصبح الآن نجمًا بالتقسيط. يركب سيارة مستعملة اشتراها بالدين، ويرتدي بدلة مستأجرة، ويضع صورًا فاخرة على منصات التواصل بينما صاحب محل الملابس ينتظر منه إيجار الشهر الماضي.
أصبح الفن عندنا يشبه مباراة بين فريق من المصابين وفريق من المفلسين. الجميع يتحرك، والجميع يصرخ، والجميع يدّعي الاحتراف، لكن النتيجة النهائية غالبًا عمل لا يعرف المشاهد هل يضحك عليه أم يبكي بسببه.
المشكلة الحقيقية ليست في قلة الأموال فقط، فالفقر المادي يمكن تعويضه بالإبداع، لكن الكارثة حين يجتمع الفقر المالي مع الفقر الفكري. هنا تبدأ المعجزة الفنية الحديثة: فيلم بلا قصة، ومسلسل بلا منطق، ومسرحية بلا جمهور، وبرنامج بلا فكرة، ثم يخرج علينا الجميع ليؤكدوا أن السبب هو تراجع ذوق الجمهور.
الجمهور المسكين أصبح المتهم الرسمي في كل قضية فنية. إذا فشل الفيلم فالجمهور لا يفهم. وإذا سقط المسلسل فالجمهور لا يقدر الفن. وإذا هرب المشاهد إلى المنصات الرقمية فالجمهور خائن للثقافة الوطنية. أما احتمال أن يكون العمل نفسه سيئًا فهذه فكرة يعتبرها البعض خروجًا على الثوابت الفنية.
وفي كواليس الإنتاج تدور معارك أسطورية. الكاتب يريد حذف نصف الممثلين لتقليل النفقات. المنتج يريد حذف نصف المشاهد. المخرج يريد حذف نصف النص. وفي النهاية يتم حذف نصف عقل المشاهد.
حتى المؤتمرات الصحفية أصبحت جزءًا من الكوميديا. يقف أبطال العمل أمام الكاميرات ليتحدثوا عن الرسالة الإنسانية العميقة لفيلم تدور أحداثه حول مطاردة دجاجة هاربة من مزرعة، ويتحدثون عن الطرح الفلسفي الجريء لمسلسل يمكن تلخيصه في جملة واحدة: من سرق الحذاء؟
أما الجوائز فهي فصل آخر من المسرحية. عمل لم يشاهده أحد يحصل على خمس جوائز، وعمل لم يفهمه أحد يحصل على سبع جوائز، وعمل لم يُعرض أصلًا يحصل على جائزة تشجيعية لأنه نجح في الوصول إلى مرحلة المونتاج دون أن ينهار المنتج نفسيًا.
والأطرف من ذلك كله هو سباق النجومية الوهمي. ممثل يؤدي دورين ثانويين في مسلسل متواضع فيكتب في سيرته الذاتية: النجم الجماهيري الكبير. ومخرج صوّر إعلانًا لعصير مانجو يصف نفسه بأنه صاحب الرؤية السينمائية المتفردة. ومنتج نجح في تسديد فاتورة الكهرباء يعتبر نفسه أحد عمالقة الصناعة.
لقد أصبح الفن في بعض الأحيان أشبه بسوق شعبية كبيرة. الأصوات مرتفعة، واللافتات براقة، والوعود ضخمة، لكن عندما تقترب لا تجد إلا بضاعة مكررة أُعيد تدويرها عشرات المرات.
ومع ذلك لا يزال هناك أمل. فالفن الحقيقي لا يموت مهما اشتدت الأزمات. الإبداع لا يحتاج دائمًا إلى ميزانيات خرافية، بل يحتاج إلى عقل يفكر وقلب يشعر وموهبة تحترم الجمهور. المشكلة ليست في أن المنتج مفلس، ولا أن المخرج كحيان، ولا أن البطل بيكح تراب، بل حين يصبح الإفلاس منهجًا، والكحينة فلسفة، وغياب الموهبة مشروعًا قوميًا.
ويبقى المشاهد جالسًا أمام الشاشة يبحث عن فكرة تحترم عقله أو مشهد يلامس قلبه أو كلمة صادقة وسط هذا الضجيج العظيم. وبينما يستمر المنتج في البحث عن ممول، والمخرج في البحث عن معجزة، والبطل في البحث عن ثمن البنزين، يظل الفن الحقيقي ينتظر عودته من غربته الطويلة.
غير أن السخرية من هذا الواقع لا تكفي وحدها، فالسخرية الحقيقية لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى محاولة جادة للعلاج. وما دام المرض واضحًا أمام الجميع، فإن البحث عن الدواء أصبح واجبًا لا ترفًا.
إن أول خطوة في طريق الإنقاذ هي إعادة الاعتبار للفكرة قبل أي شيء آخر. فالفن العظيم لم تصنعه الأموال وحدها، بل صنعته الأفكار الصادقة التي خرجت من عقول مبدعة وقلوب واعية. وكم من عمل متواضع التكلفة عاش في وجدان الناس لعقود طويلة، وكم من أعمال أنفقت عليها الملايين ثم اختفت وكأنها لم تكن.
وثاني خطوات العلاج أن نتوقف عن عبادة الأسماء ونعود إلى احترام الموهبة. فلا يجوز أن يصبح النجاح حكرًا على مجموعة محدودة تتبادل المقاعد والأدوار والفرص، بينما يقف أصحاب المواهب الحقيقية خارج المشهد ينتظرون فرصة قد لا تأتي أبدًا.
وثالثها أن يعود الكاتب إلى مكانته الطبيعية. فالنص الجيد هو العمود الفقري لأي عمل ناجح، أما الاعتماد على الارتجال والحشو والعشوائية فهو كمن يبني قصرًا ضخمًا فوق أرض رخوة سرعان ما تنهار.
كما أن احترام عقل الجمهور يجب أن يصبح قاعدة لا استثناء. فالمشاهد ليس مجرد رقم في شباك التذاكر، بل هو الشريك الحقيقي في نجاح أي عمل فني. وإذا فقد الفن احترام جمهوره فقد مبرر وجوده.
ومن أهم عناصر العلاج أيضًا أن يعود الفن إلى رسالته الإنسانية والثقافية. فالفن ليس مجرد تجارة، وليس مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل هو أداة لصناعة الوعي وبناء الإنسان ومواجهة الجهل والتطرف والانحدار الأخلاقي.
ويجب كذلك أن نتخلص من ثقافة المجاملة التي جعلت الرديء يظن نفسه عبقريًا، وجعلت بعض الأعمال الضعيفة تُقدم للناس باعتبارها روائع خالدة. فالنقد الصادق يبني، أما المجاملة الكاذبة فتهدم وتخدع.
أما الفنانون أنفسهم فعليهم أن يدركوا أن الشهرة ليست موهبة، وأن الضجيج الإعلامي ليس إبداعًا، وأن كثرة المتابعين لا تعني بالضرورة جودة ما يقدمونه.
إن أزمة الفن في حقيقتها أزمة منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع الموهبة قبل العلاقات، والإبداع قبل المجاملة، والجودة قبل الربح السريع.
ويمكن تلخيص روشتة العلاج النهائية في أربع كلمات فقط: الصدق، والموهبة، والعلم، والعمل. الصدق مع النفس قبل الجمهور، والموهبة الحقيقية لا المصطنعة، والعلم الذي يطور القدرات، والعمل الجاد الذي لا يعتمد على الحظ أو العلاقات أو الضجيج.
وعندما يصبح المنتج باحثًا عن الجودة لا عن النجاة، والمخرج باحثًا عن الإبداع لا عن الظهور، والبطل باحثًا عن الدور الجيد لا عن حجم اسمه على الملصق الدعائي، وعندما يصبح الجمهور شريكًا محترمًا لا مجرد مستهلك، عندها فقط يمكن أن نستعيد فنًا يليق بتاريخنا وثقافتنا وحضارتنا.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق ومشروعات، بل تُقاس أيضًا بما تنتجه من فن وثقافة ووعي. وإذا أردنا مستقبلًا أكثر إشراقًا فعلينا أن نبدأ من هنا؛ من احترام العقل، وتقدير الموهبة، ومحاربة الرداءة، والإيمان بأن الفن العظيم لا يولد من الصدفة بل من الإخلاص والاجتهاد.
وحينها فقط لن نحتاج إلى السخرية من المنتج المفلس أو المخرج الكحيان أو البطل الذي بيكح تراب، لأننا سنكون قد صنعنا واقعًا جديدًا يصبح فيه النجاح نتيجة طبيعية للكفاءة، ويعود فيه الفن مرآة مشرقة للمجتمع ومنارة للوعي ورسالة للبناء. وعندها فقط سيصفق الجمهور إعجابًا لا مجاملة، واحترامًا لا شفقة، وحبًا لفن يستحق أن يعيش ويبقى.

حسين السمنودى مقالات حسين السمنودي منتج مفلس ومخرج كحيان وبطل بيكح تراب الجارديان المصريه