د. محمد هناء الدين يكتب : العطاء جوهر دين الاسلام
يا من تبحثون عن معنى الحياة في زحام المادة، ويا من تتوق أرواحكم إلى سكينة لا تشترى بالذهب ولا تقتنى بالفضة، اسمحوا لي أن أشارككم خلاصة تأمل طويل في رحاب الشريعة الغراء وفي بساتين الحكمة ، حول فكرةٍ هي من جوهر هذا الدين ومحور من محاور الوجود الإنساني الراقي، ألا وهي فكرة "العطاء".
إن العطاء، في منظورنا الإسلامي ، ليس مجرد إخراج للمال من يد الغني إلى يد الفقير، ولا هو عملة ندفعها لنشتري رضا الله فحسب، بل هو أبعد من ذلك غوراً وأعمق جذوراً. إنه اعتراف وجودي بحقيقةٍ كونيةٍ أساسية: لا شيء لي مطلقاً. أنا لا أعطي مما أملك، بل أنا أؤدي مما استُخلفت فيه. هذه هي النقلة النوعية التي يصنعها العقل المسلم المستنير بالوحي، حيث تتحول "الملكية" من حق مطلق إلى أمانة ثقيلة، وحيث يغدو "الغني" ليس مالكاً بل خازناً، و"الفقير" ليس متسولاً بل صاحب حق.
هنا تتجلى العبقرية القرآنية في مصطلح "حقوق الناس"، فهي ليست من باب الإحسان أو التفضل، بل هي من صميم العدالة الاجتماعية والوجودية. يقول الحق سبحانه في محكم تنزيله: "وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ". لاحظوا كلمة "حق"، إنها تقطع الطريق على أي منطق استعلائي قد يختلج في صدر المعطي. فكما أن للجائع حقاً في الطعام ليسد رمقه، فإن لروحه حقاً في الكرامة ألا تمتهن، ولنفسيته حقاً في الأمان ألا تروع. إن فلسفة الحقوق هذه، كما أراها، تجعل من المجتمع جسداً واحداً، حيث يؤدي العضو السليم وظيفته للعضو السقيم لا تكرماً، بل لأن سلامة الجسد الكلي متوقفة على ذلك. فهل تسأل اليد اليمنى من اليد اليسرى شكراً حين تمرر لها الدواء؟
أما عن فضل العطاء، فهو كفضل المطر على الأرض الميتة. ألا ترون معي كيف أن العطاء هو الفعل الوحيد الذي يزيد صاحبه كلما أخذ منه؟ إنها معادلة إلهية تفوق منطق البشر الحسابي: "وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ". ولكن، أي إخلاف هذا الذي وعد به الكريم المنان؟ إنه ليس مجرد إخلاف مادي، بل هو إخلاف روحي ونفسي وعقلي واجتماعي
العطاء تطهير للنفس من شحها، ذلك الشح الذي يقول عنه الحكيم القرآني: "وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". إنه تحرر من عبودية المادة وارتقاء إلى أفق الحرية الحقيقية. أقول لكم إن الفقير المحتاج قد يعطيني، باحتياجه، فرصة لتطهير نفسي والنجاة من وباء الأثرة، فمن منا هو المعطي الحقيقي ومن الآخذ؟
الصدقة هي الخيط غير المرئي الذي يرتق نسيج المجتمع. إنها أبلغ من أي خطاب سياسي، لأنها الفعل الذي يحول "الآخر" إلى "أخ". إنها تبني جسور الثقة حيث هدمتها الفوارق الطبقية، وتزرع المحبة في أرضٍ بورٍ أنبتت بذور الحقد والضغينة. مجتمع بلا تعاطف هو غابة يأكل قويها ضعيفها، حتى لو تزين بمظاهر المدنية.
العطاء سنة كونية. الشمس تعطي ضوءها، الأرض تعطي خيراتها، النحلة تعطي عسلها، وكلها تعطي بلا مقابل. الإنسان الذي لا يعطي هو نشاز في سيمفونية الكون، كائن متوقف الحركة في ركب الحياة المتدفق. الصدقة هي برهان عملي على إيمانك بالله، فالإيمان ليس كلمة تقال، بل هو طاقة حب وعطاء تتحرك: "السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار".
أيها الإخوة الأفاضل، لنتأمل معاً أسمى صورة من صور العطاء، تلك التي جسّدها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال في الحديث القدسي العظيم: "يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني... استطعمتك فلم تطعمني... استسقيتك فلم تسقني". حين يستغرب العبد، يُفاجأ بالجواب المهيب: "أما علمت أن عبدي فلاناً مرض... أما علمت أن عبدي فلاناً جاع... أما علمت أن عبدي فلاناً استسقاك...". هنا يصل العطاء إلى ذروته الفلسفية، حيث يصبح لقاء الله ليس في المحراب فقط، بل في لقمة الخبز وكأس الماء وعيادة المريض. إن الله الغني الحميد، يجعل ذاته العلية طرفاً في معادلة العطاء الإنساني، فكيف لا نهتز لهذا الشرف؟ وكيف نضنّ على أنفسنا بلقاء الله عبر أقصر الطرق وأكثرها يقيناً؟
ختاماً، أيها السادة، دعونا نعي أننا في هذا الوجود لسنا سوى حلقات في سلسلة عطاء لا تنقطع. الأموال التي بين أيدينا هي أمانة الله وأموال اليتامى والأرامل والمحرومين وضعها في خزائننا مؤقتاً، ونحن مسؤولون عن إيصالها لمستحقيها بكل عزة وكرامة، دون منّ ولا أذى. العطاء الحكيم هو الذي يرسم البسمة على وجه آخذها، ويمسح دمعة محتاجها، ويرفع رأس فقيرها، ويبني في الخفاء ما يهدمه الفقر في العلن. إنه الفقه العملي للوجود، وهو الدليل الساطع على أننا فهمنا الدرس، وأننا مشينا في الأرض هوناً، وسلاماً، وكرماء، كما أراد لنا رب الأرض والسماوات.
جعلني الله وإياكم من الذين يدركون أن "يد المعطي هي العليا"، ليس بقهر المال، ولكن برفعة الروح وسمو النفس وصدق الصلة بالله. اللهم أغننا بالافتقار إليك، ولا تجعلنا ممن يستعبدهم الدرهم والدينار، وارزقنا لذة العطاء حتى نجد فيها عبق الجنة ونحن بعد في هذه الدار.












غدا استئناف المتهمين في قضية رشوة وزارة الري
ضبط المتهم بإصابة شاب في مشاجرة بسبب خلافات مالية بالمرج
القبض على اللاجئ السوداني صاحب واقعة ”تريند المترو”|تفاصيل
تأجيل محاكمة سارة خليفة بتهمة هتك عرض شاب لـجلسة 12 يونيو
أسعار الذهب اليوم في مصر.. عيار 21 يسجل 6105 جنيهات
سعر الدولار اليوم الجمعة 5 يونيو 2026..
أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 5 يونيو..
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر