الجمعة 12 يونيو 2026 08:32 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب ﻣﻦ باريس : بالعقل أقول …( السباق الرئاسي في فرنسا يبدأ قبل أوانه بسنة بحثاً على وريث ماكرون )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

لم يعد الفرنسيون ينتظرون اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية حتى تبدأ المعركة السياسية .. فبينما لا تُجرى الانتخابات الرئاسية المقبلة إلا في ربيع 2027، تبدو فرنسا و كأنها دخلت بالفعل أجواء الحملة الانتخابية قبل أكثر من عام من موعدها الرسمي ، في مشهد غير مألوف حتى في بلد اعتاد المنافسات السياسية الحادة ..

تقليديًا ، كانت الحملات الرئاسية الفرنسية تنطلق فعليًا بعد صيف العام السابق للانتخابات ، لكن هذه المرة تبدلت القواعد .. الأحزاب السياسية ، و المرشحون المحتملون ، و مراكز استطلاعات الرأي ، و وسائل الإعلام ، جميعها تتعامل مع استحقاق 2027 باعتباره معركة بدأت بالفعل ، و ليس حدثًا مؤجلًا إلى المستقبل ..

و يرجع هذا التسارع إلى عدة عوامل ، أبرزها أن الرئيس الفرنسي الحالي Emmanuel Macron لن يكون قادرًا على الترشح لولاية ثالثة متتالية وفق الدستور الفرنسي ، ما يفتح الباب أمام سباق مفتوح لا يملك فيه أي طرف أفضلية حاسمة .. كما أن حالة الانقسام السياسي التي تعيشها فرنسا منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة دفعت مختلف القوى إلى التحرك مبكرًا لحجز مواقعها في المشهد المقبل ..⁠

على اليمين ، يواصل حزب Rassemblement National الاستفادة من صعود التيارات الشعبوية في أوروبا ، فيما يراهن على تحويل حضوره البرلماني و الشعبي إلى انتصار رئاسي تاريخي .. و في المقابل ، يسعى اليسار إلى تجاوز انقساماته المزمنة ، رغم استمرار المنافسة بين شخصيات عدة تطمح إلى تمثيله في السباق المقبل ..⁠

و من أبرز المؤشرات على انطلاق السباق مبكرًا إعلان شخصيات سياسية ترشحها أو بدء تحركاتها الانتخابية قبل فترة طويلة من الموعد المعتاد .. فقد أعلن الزعيم اليساري Jean-Luc Mélenchon دخوله المنافسة الرئاسية للمرة الرابعة ، بينما أعلن السياسي الاشتراكي Karim Bouamrane ترشحه رسميًا ، في وقت تتزايد فيه أسماء الراغبين في خوض المعركة داخل مختلف التيارات السياسية ..⁠

و يرى مراقبون أن هذا الزخم المبكر يعكس حالة غير مسبوقة من السيولة السياسية .. فغياب وريث واضح لماكرون ، و تراجع الأحزاب التقليدية ، وصعود شخصيات جديدة تسعى إلى تكرار تجربة الرئيس الحالي الذي وصل إلى الإليزيه عام 2017 من خارج المنظومة الحزبية التقليدية ، كلها عوامل تشجع الطامحين على الدخول المبكر إلى الحلبة السياسية .. هذه البداية المبكرة تحمل أيضًا مخاطرها .. فالحملات الطويلة قد تستنزف المرشحين سياسيًا و إعلاميًا ، كما أن كثرة الأسماء المطروحة قد تؤدي إلى تشتيت الأصوات داخل المعسكر الواحد ، خصوصًا في اليسار و الوسط .. لذلك يتوقع كثير من المحللين أن تشهد الأشهر المقبلة عمليات فرز و تحالفات و انسحابات ستعيد رسم خريطة المنافسة قبل الوصول إلى الموعد الحاسم في ربيع 2027 ..

و في كل الأحوال ، يبدو أن فرنسا دخلت بالفعل مرحلة ما بعد ماكرون .. فالمعركة على خلافته بدأت قبل أوانها ، و السباق نحو قصر الإليزيه انطلق مبكرًا ، ليؤكد مرة أخرى أن السياسة الفرنسية لا تعرف فترات هدوء طويلة عندما يتعلق الأمر بأهم منصب في الجمهورية ..

و تكشف المؤشرات المبكرة للسباق الرئاسي عن عدد كبير من الطامحين للوصول إلى قصر الإليزيه ، إذ يتحدث مراقبون عن نحو 30 شخصية سياسية أبدت اهتمامًا أو أعلنت نيتها الترشح ، و إن كان عدد كبير منها قد لا يصمد حتى موعد الحملة الرسمية ..

و في أقصى اليمين ، يبرز اسم Jordan Bardella، رئيس حزب التجمع الوطني ، الذي يمثل الجيل الجديد لليمين القومي و يُعد من أبرز المرشحين وفق استطلاعات الرأي الأخيرة .. كما لا يزال اسم Marine Le Pen مطروحًا داخل المعسكر نفسه ، رغم الجدل القانوني والسياسي المحيط بمستقبل ترشحها ..⁠

أما اليمين التقليدي ، فيشهد منافسة داخلية بين عدة شخصيات بارزة ، أبرزها Bruno Retailleau وزير الداخلية السابق و رئيس حزب الجمهوريين ، الذي أعلن ترشحه رسميًا مرتكزًا على ملفات الأمن و الهجرة ، إلى جانب Laurent Wauquiez، و Xavier Bertrand، و David Lisnard، و جميعهم ينتمون إلى التيار المحافظ التقليدي ..

و في معسكر الوسط ، الذي يسعى إلى وراثة تجربة الرئيس إيمانويل ماكرون ، تتصدر المشهد أسماء مثل Édouard Philippe، رئيس الوزراء الأسبق ، و Gabriel Attal ، أصغر رئيس وزراء في تاريخ الجمهورية الخامسة ، و كلاهما يحاول استقطاب الناخبين الوسطيين و الليبراليين ..

و على اليسار ، أعلن Jean-Luc Mélenchon ترشحه للمرة الرابعة ممثلًا لليسار الراديكالي ، فيما يبرز اسم Raphaël Glucksmann كأحد أبرز وجوه اليسار المعتدل المؤيد لأوروبا ، إضافة إلى Karim Bouamrane ، العمدة الاشتراكي ( عمدة سان دوني ) الذي أعلن دخوله السباق مؤخرًا ، و يدعو إلى توحيد قوى اليسار الديمقراطي ..

كما تظهر أسماء أخرى تمثل تيارات بيئية و يسارية أصغر ، من بينها Marine Tondelier و Nathalie Arthaud ، ما يعكس حجم التشتت السياسي الذي يميز المشهد الفرنسي قبل عام من الاستحقاق الرئاسي ..

و رغم اختلاف الخلفيات السياسية للمرشحين المحتملين ، فإن معظمهم يركزون على مجموعة من الملفات التي تشغل الرأي العام الفرنسي ، و في مقدمتها القدرة الشرائية و ارتفاع تكاليف المعيشة ، و أزمة السكن ، و مستقبل نظام التقاعد ، و تحسين الخدمات الصحية و التعليمية ، إلى جانب قضايا الأمن و الهجرة و الاندماج الاجتماعي ..

فمرشحو اليمين القومي يعدون بتشديد الرقابة على الهجرة ، و إعطاء أولوية أكبر للمواطنين الفرنسيين في بعض المزايا الاجتماعية ، و تعزيز الأمن ومكافحة الجريمة .. و يرون أن الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية يمثل جزءًا من الحل لمواجهة الضغوط الاقتصادية و الاجتماعية التي تعاني منها بعض المدن و الأحياء ..

أما مرشحو اليمين التقليدي ، فيركزون على إعادة الانضباط للمالية العامة ، و خفض الإنفاق الحكومي ، و تشجيع الاستثمار و خلق فرص العمل ، مع تبني سياسات أكثر صرامة تجاه الهجرة و اللجوء ، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن واحتياجات سوق العمل ..

و في المقابل ، يطرح مرشحو اليسار برامج تقوم على تعزيز العدالة الاجتماعية ، و زيادة الإنفاق على الخدمات العامة ، و رفع الحد الأدنى للأجور ، و تخفيف الأعباء الضريبية عن الفئات محدودة الدخل .. كما يدافعون عن سياسات أكثر انفتاحًا تجاه المهاجرين و المقيمين الأجانب ، مع التركيز على الاندماج و مكافحة التمييز ..

أما تيار الوسط ، القريب من نهج الرئيس إيمانويل ماكرون ، فيسعى إلى الجمع بين الإصلاح الاقتصادي و الحفاظ على شبكة الحماية الاجتماعية ، مع تشجيع الاستثمار و التكنولوجيا و الاقتصاد الأخضر ، إلى جانب إدارة ملف الهجرة من خلال مزيج من الرقابة القانونية و متطلبات الاندماج ..

و بالنسبة للمقيمين الأجانب في فرنسا ، سواء من دول الاتحاد الأوروبي أو من خارجه ، فإن ملفات الإقامة و العمل و لمّ الشمل و الحصول على الجنسية تظل من أبرز القضايا المطروحة في النقاش السياسي .. و تختلف مواقف المرشحين بشأنها بين من يدعو إلى تسهيل الاندماج و تبسيط الإجراءات الإدارية ، و من يطالب بتشديد شروط الإقامة و التجنيس و ربطها بشكل أكبر بإتقان اللغة الفرنسية و الاندماج في المجتمع ..

لذلك ، لا ينظر ملايين المقيمين في فرنسا إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة باعتبارها مجرد منافسة سياسية ، بل باعتبارها استحقاقًا قد يؤثر بصورة مباشرة على حياتهم اليومية و مستقبلهم المهني و الاجتماعي داخل البلاد ، و هو ما يفسر المتابعة المبكرة و الاهتمام المتزايد بالبرامج و التعهدات التي يطرحها المرشحون منذ الآن .

خالد درة باريس بالعقل أقول ( السباق الرئاسي في فرنسا يبدأ قبل أوانه بسنة بحثاً على وريث ماكرون ) الجارديان المصريه