الخميس 18 يونيو 2026 09:24 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب : وطني لا أملك لك شيئًا غيرالكلمات

د. محمد هناء الدين
د. محمد هناء الدين

وطني أكتب إليك
لا كاتبًا يبحث عن مجد،ولا مواطنًا يطلب امتيازًا،بل كإنسان يحاول فقط أن يظل إنسانًا في زمنٍ يُكافأ فيه التبلّد.

أنا لست بطلًا ولم أكن يومًا صاحب قرارلكنني كنت دائمًا شاهدًاوشهادة القلب يا وطني أثقل من ألف منصب.

أراك كل يوم،في وجه أبٍ يُخفي قلقه خلف ابتسامة مكسورة،في أمٍ تُقسم اللقمة بين أبنائها وكأنها توزّع العمر،في شابٍ يضحك بصوت عالٍ حتى لا يسمع صوت داخله يصرخ ويبكي.

أراك وأتألم.لكنني لا أصرخ.تعلمت أن الصراخ هنا لا يصل،وأن الهمس أحيانًا أبقى.

وطني هناك أشياء لا تُقال صراحةليس خوفًا بل احترامًا لفكرة أن بعض الحقائق إذا خرجت عاريةأحرجت الجميع.
نقول إن الوقت صعب ونقصد أشياء أكبر من الوقت.
نقول إن الناس تعبت ونقصد أن الأرواح نفسها أصبحت تبحث عن مخرج.
نقول إن الدنيا تغيّرت ونخفي أننا نحن الذين تغيّرنا لنستطيع التحمّل.
وطني أنا لا أعاتبك فالبلاد لا تُعاتب بل تُحب أو تُترك وأنا لم أتعلم يومًا كيف أتركك ولا استطيع فانا كالسمكه ان خرجت من وطنها تموت
لكنني أكتب لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي لا تُعتبر جريمة،حين يصبح الصمت فضيلة زائفة.
أكتب لأقول دون أن أقول إن في صدورنا كلامًا أكبر من قدرتنا على حمله وأننا نحاول أن نكون بخير فقط لأن البديل أصعب.
وطني لي صديق ليس مشهورًا، ولا مهمًا في أعين الناس لكنه جدع
والجدعنة هنا ليست كلمة عابرة،بل فلسفة حياة.
هو الذي يبتسم رغم الضيق ويستر غيره قبل أن يستر نفسه ويقول مافيش حاجةبينما داخله حكاية كاملةحزينه.

هذا الصديق يا وطني يشبهك أكثر مما تتخيل.
قوي من برّه،ومتعب من جوّه،ومع ذلك واقف.
نحن لا نطلب المستحيل،ولا نحلم بالمعجزات،نريد فقط أن نعيش دون أن نشعر أننا ننجو كل يوم.
أن نصحودون أن نحسب الخسائر قبل ثمن القهوة،أن نضحك دون أن يكون الضحك دفاعًا،أن نحب هذا المكان دون أن نتألم من شدّة الحب.
وطني،إن كان لي ذنب فهو أنني أحبك بصدق،والصدق هنا رفاهية خطيرة.
وإن كان لي حق فهو أن أقول لك بهدوءإن الذين يخفون الوجع لا يعني أنهم لا يشعرون.
بل يعني فقط أنهم تعلموا كيف يعيشون به.وأنا منهم فإن سألتني ماذا تملك؟سأقول لك لا شيء.
لا مال لا سلطةلا نفوذلكنني أملك شيئًا واحدًا قد يبدو بسيطًا
قلبًا
لم يعتد الكذب وعينًا ترى أكثر مما يُقال،وكلمات تعرف كيف تمشي على الحافة،دون أن تسقط أو تُسقِط أحدًافخذها يا وطني ليست كثيرة،لكنها حقيقية.

وفي زمنٍ يختلط فيه كل شيء،قد تكون الحقيقةأثقل هدية.

د. محمد هناء الدين وطني لا أملك لك شيئًا غير الكلمات الجارديان المصريه