دكتور علاء الحمزاوي يكتب: وَيْــلٌ للمطففِّين !
ــ هذا العنوان تعبير قرآني من جملة آيات تعالج قضية الغش التجاري هي {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، وسبب نزولها أن بعض أهل يثرب كانوا من أخبث الناس كَيْلًا، فلما هاجر النبي إلى المدينة ووجد فيهم هذا السلوك الذميم عالجه الله بهذه الآيات، فاستجابوا فانتهوا وأحسنوا الكيل بعد ذلك؛ ما يجعلنا نؤكد أن المجتمع العربي الجاهلي بما فيه أهل المدينة كانوا في ضلال مبين تغلبهم سيئاتهم، فجاء الإسلام ليخرجهم من ظلمات الضلال إلى نـور الإيمان، فكانت استجابتهم بطيئة إلا أهل المدينة تميزوا بالطيبة واللين وحُبهم للإسلام وللنبي وسرعة استجابتهم لتوجيهاته الكريمة فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله؛ فأحبهم النبي وأحب مدينتهم وميَّزها عن غيرها، فجعل المدينة حرما، ودعا لها بالحب والبركة في الرزق، فقال: «اللهُمَّ اجعَلْ بالمَدينةِ ضِعفَي ما جَعَلتَ بمَكَّةَ مِنَ البَرَكةِ»، «اللهم حَبِّبْ إلينا المدينة كما حبِّبت إلينا مكةَ أو أشدَّ»، فاستجاب الله له فبارك في رزقها، وغرس في قلبه حبها، واختصها بقطعة من الجنة تبلغ ثلاثمائة وثلاثين مترا مربعا هي منطقة الروضة في المسجد النبوي، فقال: «ما بيْنَ بَيْتي ومِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي علَى حَوْضِي»، والروضة حديقة تقـرُّ بها العين من نضارتها ومائها وزرعها، والمراد أنها محل رحمة وسعادة، ومنبره سيُنصَب على حوضه يوم القيامة أو ينصب له منبر مشابه يخاطب منه الناس، وميّز النبي موتى المدينة عن غيرهم؛ فقال: «مَن استطاعَ منكم أنْ يموتَ بالمدينة فليَمُتْ بها؛ فإني أشفعُ لمن يموتُ بها»، فكان عمر يقول: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً في سَبيلِكَ، واجْعَلْ مَوْتي في بَلَدِ رَسولِكَ»، فاستجاب الله له، وفي عام الهجرة الأول غيَّر النبي اسم "يثرب"؛ لأنه يحمل معاني اللوم والتوبيخ والذنب، قال يوسف لإخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ}، وأسماها النبي المدينة، وسجَّل القرآن اسمها أربع مرات تكريما للنبي، منها قوله: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ}، لكن القرآن حفظ اسم (يثرب) على لسان المنافقين في قوله: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا}، ومع ذلك نهى النبي عن استعمال اسم (يثرب) فقال: «منْ سَمَّى المدينةَ يثربَ فليستغفرِ اللهَ»؛ ليستهل بناء دولة جديدة باسم جديد مرتبط به في إشارة إلى محو ماض باطل وإثبات حـق حاضر، فصارت المدينة عاصمة للدولة الإسلامية الفتية مدة حكم النبي وخلفائه الراشدين، وانطلقت منها الحضارة الإسلامية، بل تحققت في المدينة مقوِّمات قيام الدولة بالمفهوم الحديث أرضا وشعبا ودستورا وحكومة.
ــ {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} الويل الحسرة والهلاك والعذاب أو هـو واد من صديد في جهنم لو سُيِّرت فيه الجبال لذابت، ورُوي «الويلُ وادٍ في جهنمَ يَهْوِي فيهِ الكافرُ أربعينَ خريفًا قبل أن يبلغَ قَعْرَهُ»، وبدأت السورة بالويل للتحذير الشديد من التساهُل في التَّطفيف، والتطفيف هو البخس والنقص والخداع فهو الغــش، والمطففون الذين يبخسون الناس حقوقهم، إذا اكتالوا منهم يستوفون أي إذا اشتروا يأخذون حقوقهم وافية تامة، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون أي إذا باعوا لهم ينقصونهم حقوقهم غـــشًّا أو قـهـرا، وكلاهما ظلم؛ لأن العـدل أن يوفوا الميزان بيعا وشراءً؛ قال الله: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} أي تَحرَّوا العدل في تجارتكم قدْر الإمكان.
ــ {أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}، الظن هنا اليقين أو الشك، والمعنى هل المطففون متيقنون أنهم لن يبعثوا فيحاسبوا أو يشكُّون في البعث والحساب؟ والاستفهام يحمل ثلاث دلالات: دلالة الإنكار لسلوكهم ودلالة التهديد لهم ودلالة الاستعظام ليوم القيامة، فهو يوم الأهوال، فيه يُقام العدل لقول الله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، وفيه {يَقُومُ الْأَشْهَادُ} الذين يشهدون على العباد، وهم أربعة: الملائكة يشهدون بما كتبوه من أعمال العباد، والرسل يشهدون على أممهم بأنهم بلغوا الرسالات، والمؤمنون يشهدون بصدق الرسل، والجوارح تنطق فتشهد بالحق، وفي ذلك اليوم {يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} من قبورهم أو يقفون بين يدي الله؛ لذا سُمِّي يوم القيامة، والحديث عنه بهذا الوعيد يدل على عِظَم ذنب التطفيف.
ــ ولا يقتصر التطفيف على الأعمال التجارية إنما يكون في كل شيء حتى العبادات فقيل: "الصَّلاةُ مِكيالٌ، فمَن أَوفى أَوفى اللهُ له"؛ وذلك لأن الغـش هو كل قـول أو فعل يهدف إلى كسب حرام أو إخفاء حقيقة أو تضليل شخص أو خداع آخـر؛ فيدخل في البيع وزنا وسعرا وجودة، ويدخل في إنشاء المرافق العامة كالمدارس والمستشفيات والطرق، ويدخل في عمليات التجميل إلا إذا كانت بقصد إزالة عيب مشوِّه للخِلْقة في الوجه أو الجسم أو ينافي جمال المرأة كظهور شعر في وجهها أو شعر كثيف في حاجبها أو عيب في أسنانها أو عيب ناتج عن حادث فهي حينئذ جائزة.
ــ ويُعـدُّ الغش في الامتحانات أسوأ أنواع الغش؛ لأنه يرفع نتائج طلاب لا يستحقون، ويظلم طلابا مجتهدين، فتكون النتيجة تخريج كوادر غير قادرة ولا مؤهلة لقيادة المجتمع نحو البناء والتعمير، بل تسهم في نشر الكذب والتدليس والفساد؛ لأن الطالب الغشاش قد يعمل مستقبلا في مجال التعليم فينشر الغش بين الطلاب، وقد يعمل في المجال الهندسي أو الطبي فيكون فساده أعظم، وقد يعتلي منصبا مرموقا فيفسد بسلطاته، إن الغش في الامتحانات ينتج عنه خريج جاهل وموظف مرتشٍ وطبيب مهمل ومهندس عديم الضمير وطريق سيء ومبنى متصدِّع، وكل ذلك يعرقل عملية البناء والتقدم، بل يهدم المجتمع وقيمه الإيجابية.
ــ لذا حذَّر منه النبي تحذيرا شديدا فنفى الإسلام عن الغشَّاش فقال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» أي أن المسلم الذي يغش المسلمين يخرج عن دائرة الإسلام، وفي رواية جاء التحذير عاما فقال: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّي» حذف المفعول للعموم أي لا يجوز للمسلم أن يغش أي إنسان حتى لو كان كافرا أو عــدوا، فإن غــشَّ فقد انتفى عنه الإسلام، والكسب الناتج عن الغش حـرام، وكل عمل صالح مترتب عليه لا يُقبَل؛ لأن «اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلا طَيِّبًا»، وكان من دعاء النبي «اللَّهُمَّ اكْفِني بحلالِك عن حرامِك، وأغْنِني بفَضْلِك عمَّن سِواك».












إصابة 7 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي بطريق السويس - العين السخنة
الداخلية تضبط تشكيلًا لاستغلال 15 طفلًا في أعمال التسول بالقاهرة
القبض على المتهم بإدارة كيان تعليمي دون ترخيص في القاهرة
مصرع أم ونجليها وإصابة طفلتيها في تصادم بين «توك توك» وسيارة نقل...
أسعار الذهب اليوم الخميس فى محلات الصاغة .. عيار 21 يحافظ على...
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
سعر الذهب اليوم وعيار 21 اليوم الثلاثاء 16 يونيو 2026
سعر الذهب اليوم الإثنين فى مصر