الأحد 21 يونيو 2026 09:06 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عمرو النعماني يكتب : ضعف الحائط يُغري اللصوص

الكاتب الكبير عمرو النعماني
الكاتب الكبير عمرو النعماني

لم يعد المواطن المصري يخشى ارتفاع الأسعار فقط، بل أصبح يخشى ما هو أخطر من ذلك بكثير؛ أن يتحول الطعام الذي يشتريه إلى سم بطيء، وأن يجد نفسه ضحية لجشع تاجر لا يعرف ضميرا ولا رحمة ولا وطنا

فما كشفته أجهزة الرقابة خلال الأيام الماضية بشأن قيام بعض محلات عصير القصب بإضافة مادة ثاني أكسيد التيتانيوم بهدف تبييض لون العصير ليس مجرد واقعة غش تجاري عابرة كما يحاول البعض تصويرها، وإنما جريمة مكتملة الأركان ضد صحة المواطنين ، فحين يعلم الجاني أن المادة التي يستخدمها ضارة بالصحة وقد تتسبب في أمراض خطيرة للكبد والكلى والجهاز الهضمي، ثم يقدم على استخدامها لتحقيق ربح إضافي، فإنه لا يمارس التجارة، بل يمارس القتل البطيء ، وللأسف فإن هذه الواقعة ليست استثناءً، بل أصبحت جزءا من مشهد متكرر يتكشف يوما بعد يوم ، فالأجهزة الرقابية تضبط باستمرار زيوتا مغشوشة، وألبانا فاسدة، وشايا مجهول المصدر، وأجبانا وسمنا غير مطابقين للمواصفات، فضلا عن مصانع بير السلم التي تنتج أدوية مزيفة تستهدف المرضى الباحثين عن العلاج، فيجدون أنفسهم أمام وصفة للموت بدلا من الدواء

ولم يتوقف الأمر عند الغذاء والدواء، بل امتد إلى قطع غيار السيارات المقلدة والأجهزة الكهربائية المزورة التي تملأ الأسواق تحت أسماء وعلامات تجارية عالمية، والنتيجة واحدة في جميع الأحوال، مواطن يدفع الثمن من صحته أو ماله أو حياته، بينما يحصد المجرمون أرباحا بالملايين

وهنا يفرض سؤال نفسه بقوة: لماذا تتكرر هذه الجرائم رغم الضبط المستمر والإعلانات المتوالية عن الحملات الرقابية؟
الإجابة ببساطة أن العقوبة ما زالت أقل من حجم الجريمة ، فالكثير من هؤلاء يعتبرون الغرامات المالية جزءا من تكلفة النشاط، ويحسبون الأرباح والخسائر، فإذا كانت الأرباح بالملايين والغرامة بالآلاف، فإن الجريمة تتحول إلى مشروع استثماري مربح ، ولهذا يعود المجرم إلى نشاطه فور خروجه من قسم الشرطة أو انتهاء الإجراءات القانونية بحقه

ومن هنا تظهر الحاجة الملحة إلى مراجعة فلسفة التشريع نفسها ، فكيف يمكن أن نصف من يبيع دواءً مغشوشا لمريض قلب أو سرطان بأنه مجرد مرتكب لجريمة غش تجاري؟ وكيف يمكن اعتبار من يضع مواد سامة في غذاء المواطنين مجرد مخالف للقانون التجاري؟
الحقيقة أن التوصيف القانوني الحالي لم يعد مواكبا لحجم الخطر الذي يهدد المجتمع. فهذه الجرائم لا تستهدف المال فقط، وإنما تستهدف حياة الإنسان وصحته وسلامته الجسدية، والنتيجة النهائية لها هي المرض والعجز والوفاة

لكن المشكلة لا تقف عند حدود ضعف العقوبات وحدها، بل تمتد أيضا إلى قصور منظومة الرقابة والتفتيش على الأسواق. فبرغم الجهود الكبيرة التي تبذلها أجهزة التموين ومباحث التموين وجهاز حماية المستهلك والجهات الرقابية المختلفة، فإن حجم الأسواق واتساعها وعدد المنشآت غير المرخصة يفوق أحيانا إمكانات الرقابة المتاحة، وهو ما يمنح تجار الغش مساحة للحركة والانتشار

ولهذا فإن المطلوب ليس فقط تكثيف الحملات التفتيشية، وإنما بناء منظومة رقابية حديثة تعتمد على التكنولوجيا وقواعد البيانات والتتبع الإلكتروني للمنتجات، مع زيادة أعداد المفتشين وتوفير الإمكانات اللازمة لهم، وإغلاق مصانع "بير السلم" إغلاقا نهائيا وتجفيف منابع السلع مجهولة المصدر ، كما أن حماية المواطن لا تتحقق إلا من خلال عقوبات استثنائية تتناسب مع حجم الجريمة. فالمتاجرة بصحة الناس ليست مخالفة تموينية، وإنما اعتداء مباشر على الحق في الحياة
ومن ثم فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى تشديد العقوبات لتصل إلى السجن المؤبد في الجرائم التي يترتب عليها إصابات جسيمة أو وفيات، مع مصادرة الأموال المتحصلة من النشاط الإجرامي وإغلاق المنشآت المخالفة نهائيا

ولا يجب أن نغفل أن الغش التجاري لا يقتل الأفراد فقط، بل يضرب الاقتصاد الوطني في الصميم ، فهو يدمر المنافسة الشريفة، ويضر بالمصانع الملتزمة بالمواصفات، ويهز ثقة المستهلك في المنتج المصري، وينفر المستثمرين، ويشوه صورة الأسواق المصرية أمام العالم ، القضية يا ساده لم تعد قضية غش تجاري أو مخالفة تموينية ، بل أصبحت قضية أمن قومي وصحة عامة وحياة شعب بأكمله ..

عمرو النعماني ضعف الحائط يُغري اللصوص الجارديان المصريه