الأربعاء 24 يونيو 2026 12:03 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب: من تجليات الهجرة النبوية الشريفة

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

إن الحديث عن الهجرة النبوية الشريفة لحديث شيّق ، وعظيم ، لأن الإسلام كله هدية الله للناس فى أرضه ، ولذا يجب أن تقدم هذه الهدية بأحسن ما يكون لها
من تقديم ، وبشكل يليق بها ، وبمكانتها العظيمة ، واقرأ إن شئت قوله تعالى
" وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا ممَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحا" فإن القطع الذهبية عندما
تهديها لزوجتك ، إنما توضع في صندوق أنيق يجذب عينيها ، وقلبها في آن واحد
، ولا يوضع في صندوق مهلهل قديم يعلوه التراب ، وقد أثقبته الفئران من
جميع جوانبه ! ألا ترى ما تقوم به الشركات المرموقة ، والمؤسسات الكبرى
لجذب عملائهما ؟ ! ألا ترى البائع المتجوّل البسيط ، كيف يجذب زبائنه من كل حارة ، وزقاق ؟ ! وكيف يجذب بائع الفاكهة أعين المارين في الشارع بتنظيم
فاكهته بشكل يجبرهم لشرائها ؟ وترى غيرهم ، وغيرهم ، نعم إنها حقيقة ، ولا نضع رؤسنا فى الرمال ، فدين الله تعالى أجل ،وأعظم من كل هؤلاء ، بل هو الأولى لجذب الناس ، حيث أنه يحث الناس على إعمال العقل ، لأنه يحترم العقل ، والمنطق ، وهما أداتان ، ووسيلتان للرقىّ ، والتقدم ، كما أنه دين يغذّى الفكر ، ويشبع القلب والروح معا ، وهو دين دنيا ، وآخرة ، كما أنها تجارة مع الله ،فكيف نتاجر مع الله ببضاعة لم نقدّر قدرها ، وقيمتها ، ومكانتها ؟ !
ولذا أجد أن بعض المتصدرين للدعوة كأساتذتنا الأفاضل ، وعلمائنا الكرام ، مع
احترامى الشديد لهما ، ولمكانتهما العلمية ،وتخصصاتهم المرموقة التي لا خلاف عليها .. أنهم يقدمون هدية الله بأسلوب يجلب التثاؤب ، والنوم ، والاسترخاء !
وحتى لا يكون الكلام جزافا "معاذ الله من ذلك" فهيا بنا نضع النقاط على
الحروف ، ولذا أقول: إنهم يستخدمون ألفاظا يكررونها في جميع أحاديثهم ،
وخطبهم ، سواء أكان ذلك الحديث عن الهجرة ، أو عن غيرهامن الموضوعات، وكأن اللغة العربية قد أفلست ، وجفّت كلماتها سوى من هذه الكلمات ! أو أنها
تجمّدت كما تتجمّد الأطعمة في مبرداتها! فضلا أنهم يسهبون في أحاديثهم عن السنن أكثر من الواجبات ، فإذا جاء موسم الحج مثلا ، فإن جلّ كلامهم عن فضل العشر الأوائل لشهر ذي الحجة ، وفضل صوم عرفة ، ولا بأس في ذلك ، ولكن ليس على حساب الأولويات والواجبات فهذا خطأ تقنىّ فادح ، واعتقد أنه غير مقصود ، وكأن الحديث عن الأولويات محظور ! وأن الحديث عمّن يعقّ والديه عيب ! وأن الحديث عمّن يهجر أحدا من الناس فسق ! وأن الحديث عمّن يأكل مال يتيم ، ومن يحرم ميراث أخواته البنات حرام !وأن الحديث عمّن يشهد زورا كفر ! وأن الحديث عن .. وعن خروج عن الملة ! ما هذا العبث ؟ ! كما أن معظم كلامهم بلفظ "كان" كقولهم "كان رسول الله ﷺ يفعل كذا"وكان سيدنا عمر يذكر كذا" فإن ديننا الحنيف ليس فعلا ماضيا ، أو انفصاما
تاريخيا ، أو محض خيال ! ولكن ديننا كالشجرة ، فهو دين عصرىّ ، وله جذور
في الماضى ، ويستشرف المستقبل بفروعه ، وأغصانه ، كما أنك لا تشم من
خطبهم رائحة الثقافة العامة ! ولم يتذوقوا طعم جماليات اللغة العربية كالتشبيهات ،
والاستعارات ، والكنايات ، وغيرها من محاسن اللغة ! ألم يكن عملهماخاص
بالدين ؟ فإن الإسلام من ألفه إلى يائه ملأى بكافة العلوم الأخرى ، وكلامه معجز، وبليغ ، ألم يقل الله "مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء" واقرأ إن شئت قوله تعالى
"أَفَلَا ينظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَت * وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَت *وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نصبت وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَت * فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّر" ومعنى ذلك أن الله يحثنا أن نتأمل جيدا هذه المخلوقات ، ونذكرها للناس كى يتثقفوا بشتى العلوم ،ولكى يعرفوا قدرة الله المطلقة ، والتي لا حدود لها ، ولا قيود ، ويقول تعالى أيضا في كتابه "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وجَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون" أي أن الله
يحث الناس جميعا على عمل رحلات سياحية خارجية للتنزّه ، والتأمل في تاريخهم، وآثارهم ، فالبعض من تلك البلدان كان لديهم قوة علمية كبيرة تفوق قوتكم ،وتنعمّوا باستخراج خيرات الله الكامنة في الأرض ، وعندما أرسل الله لهم الرسل
، والأنبياء ، أساؤا لهم ، وأهانوهم ، ولكنهم الآن تحت التراب ، وقد رمت
عظامهم ، وتلاشت قوتهم ، وعقولهم التي كانوا يفتخرون بهما ، ويستكبرون !
أليس هجر الأخطاء ، وتصحيحها هو الصواب ، وهو أفضل طريقة للتحدث عن
الهجرة ، أو غيرها من الموضوعات ؟

من تجليات الهجرة النبوية الشريفة زكريا سليمان الجارديان المصريه