الأربعاء 24 يونيو 2026 01:06 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد تكتب: حين تصفعنا الكلمات

بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد
بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد

لم تكن الكلمات يومًا بريئة كما تبدو على الورق. كنا نظن أن الأدب ترفٌ جميل، وأن الكتابة مجرد حروفٍ تتجاور لتصنع المعنى، لكننا اكتشفنا متأخرين أن بعض النصوص لا تُقرأ، بل تُعاش، وأن بعض السطور لا تمر على العين مرورًا عابرًا، بل تهبط إلى الأعماق كصاعقةٍ مؤجلة كانت تنتظر لحظتها المناسبة.

في حياتنا نقرأ آلاف الكلمات، تمر معظمها دون أثر، كما تمر وجوه كثيرة في الشوارع دون أن نتذكرها. لكن هناك جملة واحدة قد تكفي لتوقظ عمرًا كاملًا من النوم، وسطرًا واحدًا قد يهدم يقينًا بنيناه خلال سنوات. ليست قوة الكلمات في بلاغتها، ولا في زخارفها اللغوية، بل في قدرتها على الوصول إلى ذلك المكان الخفي داخل الإنسان، حيث تختبئ الحقائق التي يخاف مواجهتها.

أتذكر أنني قرأت ذات ليلة نصًا لم يكن يتحدث عني، ولم يكن كاتبه يعرف شيئًا عن وجودي، ومع ذلك شعرت أن كل كلمة فيه كانت تطرق بابًا قديمًا في داخلي. لم أقرأ النص، بل شعرت أنه يقرأني. كان يكشف أشياء حاولت دفنها طويلًا، ويعيد إلى السطح وجوهًا وأصواتًا وذكرياتٍ ظننت أنها انتهت. يومها فهمت أن أخطر ما يمكن أن يفعله الأدب ليس أن يمتعنا، بل أن يجعلنا نرى أنفسنا دون أقنعة.

فالإنسان بارع في الهروب. يختبئ خلف العمل، وخلف الضجيج، وخلف التفاصيل اليومية التي تمنحه وهم الانشغال. يقنع نفسه أنه تجاوز، وأنه نسي، وأن الجراح القديمة أصبحت جزءًا من الماضي. ثم تأتي جملة صغيرة، لا يتجاوز عمر قراءتها ثواني معدودة، فتكشف أن ما اعتبره نسيانًا لم يكن سوى تأجيل، وأن ما سماه قوة لم يكن إلا قدرة مؤقتة على الاحتمال.

كم من امرأةٍ كانت تضحك أمام الجميع بينما كانت تنهار بصمت؟ وكم من رجلٍ أقنع نفسه أنه نجا من خيبةٍ قديمة، حتى وجد نفسه يرتجف أمام ذكرى أعادتها كلمة عابرة؟ وكم من شخصٍ عاش سنوات يهرب من سؤالٍ واحد، ثم وجده مكتوبًا أمامه في سطرٍ لم يكن يتوقعه؟

لهذا لا أخاف النصوص الجميلة، بل أخاف النصوص الصادقة. تلك التي لا تطرق الباب بل تقتحمه، ولا تجامل القارئ بل تضعه وجهًا لوجه أمام ذاته. النصوص التي تُجبرنا على الاعتراف بما أنكرناه طويلًا، وتجعلنا نرى الشقوق التي أخفيناها خلف ابتساماتٍ متقنة.

الكتابة الحقيقية لا تُصنع من الحبر وحده. تُصنع من الخسارات، من الانتظار الطويل، من الخيبات التي نجونا منها بالكاد، من الدموع التي لم يرها أحد، ومن الأسئلة التي ظلت عالقة في الروح سنوات دون إجابة. لذلك حين يكتب الكاتب بصدق، فإنه لا يمنحنا كلمات، بل يمنحنا أجزاءً من قلبه، ويترك روحه مكشوفة أمام الغرباء.

ولهذا تبقى بعض النصوص حية بعد رحيل أصحابها. لأنها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت حياة كاملة مضغوطة داخل السطور. كانت وجعًا حقيقيًا، وفرحًا حقيقيًا، واعترافًا لا يملك صاحبه التراجع عنه. وحين تصل إلينا نشعر بها كما لو أنها كُتبت لأجلنا وحدنا.

ربما لهذا السبب لا تنتهي بعض النصوص عند آخر سطر. بل تبدأ هناك. تبدأ حين نغلق الكتاب، أو نطفئ الهاتف، أو نغادر الصفحة، ثم نجد أنفسنا ما زلنا نفكر فيها. ما زلنا نحاورها، ونتجادل معها، ونستعيدها في لحظات الصمت. كأن الكلمات غادرت الورق لتسكن فينا.

إن أخطر ما في الأدب أنه لا يغير العالم مباشرة، بل يغير الإنسان. والإنسان حين يتغير، يتغير كل شيء من حوله. لذلك لا تتركنا النصوص العظيمة كما كنا قبلها. إنها تصفعنا بالحقيقة، وتهز يقيننا، وتخلخل ما استقر في أرواحنا من أوهام. تؤلمنا أحيانًا، لكنها تفعل ذلك كي توقظنا.

ولهذا، حين أعود إلى بعض السطور التي قرأتها قبل سنوات، لا أجد كلمات. أجد آثارًا. أجد ندوبًا صغيرة تركتها الحقيقة على جدار الروح. أجد أسئلة ما زالت مفتوحة، وأحلامًا ما زالت تبحث عن طريقها، وأرى نفسي كما كنت، وكما صرت، وكما لم أعد أبدًا.

فبعض الكلمات لا تُكتب لتُقرأ...

بل لتُصيب.

وتبقى.

بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد حين تصفعنا الكلمات الجارديان المصريه