الخميس 25 يونيو 2026 09:42 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : شيكو الحلاق... الوجه الذي لم يكن كما ظنه الناس

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في تاريخ الصراعات بين الدول، تبقى قصص الجواسيس من أكثر القصص إثارة للدهشة والخوف في آن واحد، ليس لأن أصحابها يمتلكون قدرات خارقة، بل لأنهم غالبًا ما يبدون أشخاصًا عاديين للغاية. يأكلون مما يأكل الناس، ويتحدثون بلهجتهم، ويشاركونهم تفاصيل الحياة اليومية، حتى يظن الجميع أنهم جزء أصيل من المجتمع، بينما يخفون في أعماقهم ولاءً آخر ومهمة أخرى.

ومن بين القصص التي بقيت تتردد في الذاكرة الشعبية المصرية قصة "شيكو الحلاق" الذي عاش في بورسعيد سنوات طويلة قبل العدوان الثلاثي، وعرفه الناس باعتباره رجلًا بسيطًا يمارس مهنته ويعيش حياته بشكل طبيعي بين أبناء المدينة. لم يكن أحد يتصور أن وراء ذلك الوجه المألوف أسرارًا أخرى، وأن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا عما يراه الناس بأعينهم.

وسواء اختلفت الروايات حول بعض التفاصيل أو اتفقت، فإن المغزى الذي تحمله هذه القصة يظل حاضرًا بقوة: ليس كل ما تراه العين هو الحقيقة الكاملة، وليس كل من يعيش بين الناس يكون بالضرورة وفيًا لهم أو لأوطانهم.

ولقد علمتنا تجارب الأمم أن الحروب لا تبدأ دائمًا بصوت المدافع، وإنما تبدأ أحيانًا بمعلومة صغيرة يتم تسريبها، أو بشائعة يتم نشرها، أو بشخص يتم زرعه في مكان ما لسنوات طويلة حتى يحين موعد استخدامه. ولهذا كانت أجهزة المخابرات عبر التاريخ تعتبر العميل الناجح أهم من كتيبة كاملة من الجنود، لأن المعلومة الدقيقة قد تغير مسار معركة كاملة أو تؤثر في مستقبل وطن بأكمله.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الجاسوس وحده، بل في البيئة التي تسمح له بالتحرك دون انتباه، وفي حالة الغفلة التي قد تصيب المجتمعات عندما تعتقد أن الأخطار تأتي دائمًا من الخارج بشكل واضح وصريح. فالتاريخ يخبرنا أن بعض أشد الضربات التي تلقتها الدول جاءت من أشخاص عاشوا داخلها سنوات طويلة دون أن يثيروا الشبهات.

ومن هنا تأتي أهمية الوعي الوطني. فالوعي لا يعني الشك المرضي في الناس، ولا يعني تحويل المجتمع إلى ساحة من الاتهامات المتبادلة، وإنما يعني أن يدرك المواطن أن حماية الوطن مسؤولية جماعية، وأن الأمن لا يتحقق فقط بالسلاح، بل يتحقق أيضًا بالانتباه والإدراك والقدرة على التمييز بين الحقيقة والخداع.

وفي عصرنا الحديث أصبحت وسائل الاختراق أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فبعد أن كان الجاسوس في الماضي يعتمد على اللقاءات السرية والرسائل المشفرة، أصبح اليوم قادرًا على الوصول إلى أهدافه من خلال التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي والحروب النفسية والإعلامية. وأصبحت المعركة تدور أحيانًا داخل العقول قبل أن تدور على الأرض.

لقد أدرك أعداء الأوطان أن السيطرة على الأفكار قد تكون أكثر فاعلية من السيطرة على المواقع العسكرية، وأن بث اليأس والإحباط والانقسام بين أبناء الشعب قد يحقق لهم ما لا تحققه الجيوش. ولذلك فإن أخطر أشكال الاختراق في هذا العصر ليست فقط سرقة المعلومات، بل سرقة الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وإشعال الفتن، ونشر الشائعات، وتحويل المجتمع إلى جماعات متناحرة يسهل التأثير عليها.

إن الوطن لا يحتاج إلى مواطنين خائفين بقدر ما يحتاج إلى مواطنين واعين. يحتاج إلى أناس يحبونه بما يكفي لكي يدافعوا عنه، ويعرفون قيمته بما يكفي لكي يرفضوا كل محاولة للنيل منه أو العبث بأمنه واستقراره. فالأوطان لا تبنى بالكلمات وحدها، وإنما تبنى بالمسؤولية والانتماء واليقظة الدائمة.

ولعل الدرس الأكبر الذي تمنحه لنا قصص الجواسيس والعملاء هو أن المعركة بين الحق والباطل، وبين الوفاء والخيانة، لا تتوقف أبدًا. فكل جيل يواجه تحدياته الخاصة، وكل عصر يحمل أدواته المختلفة، لكن تبقى القاعدة ثابتة: لا يستطيع أحد اختراق وطن يمتلك شعبًا واعيًا يعرف كيف يحمي أرضه وهويته ومصالحه الوطنية.

إن مصر عبر تاريخها الطويل كانت هدفًا لكثير من المؤامرات والمحاولات الرامية إلى إضعافها أو التأثير عليها، لكنها ظلت صامدة بفضل تماسك شعبها وقوة مؤسساتها ووعي أبنائها. وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذا المعنى في زمن تتداخل فيه الحقائق بالشائعات، وتختلط فيه المعلومات الموثوقة بالأخبار المفبركة، وتصبح فيه الحرب على العقول أخطر من الحرب على الحدود.
وإذا كانت قصص الجواسيس والعملاء قد امتلأت بها صفحات التاريخ، فإن أخطر ما فيها ليس ما كشفته من أسرار، بل ما لم يُكشف بعد. فليس كل من يعيش بيننا بالضرورة يحمل في قلبه حب هذا الوطن، وليس كل من يتحدث بلساننا يضمر لمصر الخير الذي نرجوه لها. والتاريخ يعلمنا أن بعض الخونة نجحوا لسنوات طويلة في الاختباء خلف أقنعة براقة، وارتدوا ثياب الوطنية، وتحدثوا بشعارات الانتماء، بينما كانت ولاءاتهم الحقيقية تتجه إلى حيث المصالح والأطماع والأجندات الخفية.

إن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من عدو يرفع رايته بوضوح، وإنما قد يأتي من شخص يختبئ تحت مظلة الوطن، ويستظل برايته، ويتمتع بخيراته، ثم يعمل في الخفاء ضد مصالحه وأمنه واستقراره. وهؤلاء هم الأخطر، لأنهم لا يواجهون الوطن من الخارج، بل يحاولون النيل منه من الداخل، مستغلين الثقة التي منحها لهم المجتمع، أو المكانة التي وصلوا إليها، أو العلاقات التي نسجوها على مدار سنوات طويلة.

ولذلك فإن الواجب الوطني يحتم علينا أن نكون أصحاب وعي وبصيرة، لا أصحاب خوف وهلع. فاليقظة الوطنية لا تعني مطاردة الناس بالشكوك، ولا تعني إطلاق الاتهامات بلا دليل، وإنما تعني أن يبقى الولاء لمصر فوق كل اعتبار، وأن تبقى مصلحة الوطن هي المعيار الذي نقيس به المواقف والأفعال. فالمواطن الشريف يزداد احترامًا كلما ازداد إخلاصه لوطنه، أما من يثبت تورطه في الإضرار بمصر أو التآمر عليها فلا حصانة له مهما كان اسمه أو منصبه أو صورته التي رسمها لنفسه أمام الناس.

إن مصر التي عبرت آلاف السنين وواجهت الغزاة والمؤامرات والحروب والمؤامرات الخفية، لن يحميها بعد الله سوى وعي أبنائها وتماسكهم وإدراكهم لحجم التحديات التي تحيط بهم. فالأوطان لا تسقط حين يتربص بها الأعداء، بل حين يغفل أهلها عن مراقبة ما يدور حولهم. أما إذا بقيت العيون مفتوحة والعقول يقظة والقلوب مخلصة، فإن كل صاحب غرض خبيث، وكل عميل متخفٍ، وكل متآمر يختبئ خلف الأقنعة والشعارات، سيجد نفسه عاجزًا أمام شعب يعرف قيمة وطنه ويدرك أن الحفاظ عليه مسؤولية لا تقبل التهاون.

فلتبقَ مصر دائمًا فوق الجميع، ولتبقَ رايتها خفاقة بأبنائها المخلصين، وليكن الانتماء الحقيقي عملاً وسلوكًا وتضحية، لا مجرد كلمات تُقال. فالأوطان العظيمة لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها شعب واعٍ لا تنطلي عليه الأقنعة، ولا تخدعه الشعارات، ولا يسمح للنماذج الخائنة والمتخفية أن تعبث بأمنه أو تنال من استقراره ومستقبله. وسيظل الوطن أكبر من كل المؤامرات، وأقوى من كل العملاء، وأبقى من كل من يراهن على سقوطه أو إضعافه، ما دام فيه رجال ونساء يعرفون قيمة الأرض التي يعيشون عليها، ويؤمنون أن الدفاع عن الوطن شرف لا يضاهيه شرف، وواجب لا يسقط بالتقادم، ورسالة تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.

حسين السمنودى شيكو الحلاق... الوجه الذي لم يكن كما ظنه الناس الجارديان المصريه