الجمعة 26 يونيو 2026 01:10 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب : انسحب

 د. محمد هناءالدين
د. محمد هناءالدين

في لحظة ما، تجد نفسك واقفا على حافة قرار، وكأن شيئا بداخلك يهمس بصوت خافت لكنه واضح لم يعد هذا مكانك ليس انهزاما، وليس ضعفا، بل إدراك عميق أن بعض المعارك لا تستحق أن تخوضها، وبعض الطرق لم تعد تؤدي إلى حيث تريد.

الانسحاب ليس نهاية القصة كما يصورونه لنا دائمًا. أتذكر صديقا لي ترك وظيفة مرموقة بعد عشر سنوات كاملة. سأله الجميع باستغراب لماذا الآن؟ كان جوابه بسيطا: لأنني استنفدت كل ما يمكن أن أتعلمه هنا. لم يغادر هاربا من شيء، بل متجها نحو شيء آخر.

نحن نكبر على فكرة أن الاستمرار فضيلة، وأن الصبر على الشدائد دليل قوة. وهذا صحيح في كثير من الأحيان. لكن هناك فارقا دقيقا بين الصبر على تحد مؤقت، والبقاء في مكان لم يعد يضيف إليك شيئا. بين المثابرة على حلم يستحق العناء، والتعنت في طريق مسدود.
تعلمت من جدتيز رحمها الله درسا لم أنسه قط كانت تقول
الانسحاب مثل ترك الغرفة قبل أن يطفئوا النور ليس خوفا من الظلام، بل لأنك تعرف طريقك حتى في العتمة كانت تقصد أن الخروج برشاقة يحتاج شجاعة لا تقل عن شجاعة الدخول.
العلاقات الإنسانية أيضا. كم من مرة بقينا في علاقات استنزفتنا عاطفيا، مبررين ذلك بالوفاء أو الخوف من الوحدة؟ الانسحاب هنا ليس جحودا، بل اعتراف بأن روحك تحتاج هواء نقيا، وأن البقاء في علاقة مؤذية ليس بطولة بل إيذاء للنفس.
الأمر لا يتعلق بالهروب. الهارب يغادر دون أن يفهم لماذا. أما المنسحب الواعي فيفهم تماما أسبابه ويغادر بخطى ثابتة، محتفظا بكرامته، حاملا دروسه معه.

في النهاية، الحياة قصيرة بما يكفي لأن نبقى حيث لا ننتمي. وقرار الانسحاب، رغم قسوته الظاهرية، قد يكون أصدق تعبير عن احترامك لنفسك وللآخرين. أن تغادر بهدوء، دون ضجيج، ودون حاجة لتبرير اختياراتك لمن لا يفهم.

أحيانا، يكون الرحيل هو البداية الحقيقية.

د. محمد هناء الدين مقالات محمد هناء الدين انسحب الجارديان المصرية