الجمعة 26 يونيو 2026 05:07 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ضاحى عمار يكتب: بين السلام والمصالح ماذا يجري خلف ستار الاتفاقات في الشرق الأوسط؟

الكاتب الكبير ضاحي عمار
الكاتب الكبير ضاحي عمار

اعتادت المنطقة على المفاجآت السياسية والعسكرية، لا يمكن النظر إلى أي اتفاق أو تهدئة على أنها نهاية للصراعات أو بداية لعصر جديد من السلام دون التوقف طويلًا أمام الأسباب الحقيقية التي دفعت أطرافًا متصارعة إلى الجلوس على طاولة التفاهم.
خلال الأيام الأخيرة، شهدت المنطقة تطورات متسارعة، بداية من الحديث عن تفاهمات أمريكية إيرانية، وصولًا إلى التهدئة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان. هذه التطورات فتحت الباب أمام تساؤلات كثيرة: هل تغيرت مواقف الأطراف المتصارعة بالفعل؟ أم أن هناك ترتيبات جديدة تُصاغ بعيدًا عن الأضواء؟
الحقيقة أن السياسة لا تعرف العواطف، وإنما تحكمها المصالح وحسابات الربح والخسارة. ومن هنا يمكن فهم طبيعة هذه الاتفاقات.
من وجهة النظر الأمريكية، فإن أي تفاهم مع إيران يمثل فرصة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني ومنع تحوله إلى مصدر تهديد جديد في المنطقة، وفي الوقت نفسه يمنح واشنطن فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
أما إيران، فإنها تنظر إلى أي اتفاق من زاوية مختلفة تمامًا. فمجرد الوصول إلى تفاهم مع الولايات المتحدة يمنح القيادة الإيرانية فرصة لتأكيد قدرتها على الصمود في مواجهة سنوات طويلة من العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية. كما أن أي انفراجة اقتصادية ستساعدها على تخفيف الأعباء الداخلية وتحسين أوضاعها المالية.
الجانب الاقتصادي هنا لا يقل أهمية عن الجانب السياسي. فعودة إيران بقوة إلى سوق النفط العالمية ستمنحها موارد مالية ضخمة، وهو أمر يثير مخاوف عدد من القوى الإقليمية التي ترى أن تحسن الاقتصاد الإيراني قد ينعكس على حجم نفوذ طهران في المنطقة.
لكن في المقابل، لا يمكن القول إن الولايات المتحدة قدمت تنازلات مجانية، كما لا يمكن اعتبار إيران خرجت منتصرة بصورة كاملة. فكل طرف يحاول تقديم الاتفاق لجمهوره الداخلي باعتباره إنجازًا يحقق مصالحه ويحفظ مكانته.
المشهد نفسه يتكرر في لبنان. فالتهدئة بين إسرائيل وحزب الله لا تعني أن أسباب الصراع انتهت، لكنها تعكس رغبة كل طرف في تجنب مواجهة شاملة قد تكون تكلفتها أكبر من مكاسبها في هذه المرحلة.
إسرائيل تسعى إلى تثبيت واقع أمني جديد على حدودها الشمالية وتقليل المخاطر التي تهدد مستوطناتها، بينما يسعى حزب الله إلى الحفاظ على قدراته وتجنب الانجرار إلى حرب واسعة قد تفرض عليه أثمانًا سياسية وعسكرية كبيرة.
لذلك فإن قراءة المشهد بعين واحدة تقود إلى استنتاجات خاطئة. فلا يوجد طرف خرج منتصرًا بالكامل، ولا طرف تعرض لهزيمة مطلقة. ما يحدث هو عملية إعادة تموضع سياسي وأمني، يحاول فيها كل لاعب تحسين شروطه استعدادًا للمرحلة المقبلة.
التاريخ السياسي للمنطقة يؤكد أن الاتفاقات ليست دائمًا نهاية للأزمات، بل قد تكون بداية لمرحلة جديدة من التنافس والصراع بأدوات مختلفة. ولهذا فإن الحكم على نجاح هذه التفاهمات أو فشلها يظل مرهونًا بما ستكشفه الأيام المقبلة من تطورات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الشرق الأوسط لا تحكمه الشعارات ولا العواطف، بل تحكمه موازين القوة والمصالح المتغيرة، وما يبدو اليوم اتفاقًا نهائيًا قد يتحول غدًا إلى فصل جديد من الصراع.

ضاحى عمار بين السلام والمصالح ماذا يجري خلف ستار الاتفاقات في الشرق الأوسط؟ الجارديان المصريه