الجمعة 26 يونيو 2026 08:04 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد تكتب: في زمن الضجيج... تصبح الرحمة موقفًا سياسيًا

الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد
الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد

نعيش في زمن غريب يخلط بين القوة والقسوة، وبين الحزم والعنف، وبين الهيبة والخوف. زمن يُقاس فيه النفوذ بارتفاع الصوت، وتُحتسب فيه المكانة بعدد من تستطيع إخضاعهم لا بعدد من تستطيع إنصافهم. حتى باتت المجتمعات، شيئًا فشيئًا، تعيد تعريف القيم الإنسانية وفق معايير مضطربة، فصار المتجبر قويًا في نظر البعض، وصار المتسامح ضعيفًا، وصار الهدوء ترددًا، والرحمة رفاهية لا تليق بعالم يزداد خشونة كل يوم.

في الشوارع المزدحمة، وفي المؤسسات، وفي ساحات السياسة، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية، تتكرر المشاهد نفسها. مسؤول يمتلك السلطة فيستخدمها لإثبات سطوته لا لخدمة الناس. صاحب نفوذ يظن أن القسوة دليل قوة. وإعلام يرفع من شأن الصراخ أكثر مما يحتفي بالحكمة. حتى أصبح الإنسان البسيط محاصرًا بين ضجيج المصالح وصخب الشعارات، يبحث عن معنى مختلف للقوة فلا يجده إلا نادرًا.

لكن التاريخ، حين نقرأه بعيدًا عن الخطب والشعارات، يخبرنا بحقيقة أخرى. يخبرنا أن أكثر الشخصيات رسوخًا لم تكن الأكثر صراخًا، وأن أكثر القادة تأثيرًا لم يكونوا بالضرورة أولئك الذين أخافوا الناس، بل أولئك الذين منحوا الناس شعورًا بالأمان. فالقوة الحقيقية لا تظهر عندما يكون الخصم ضعيفًا، بل عندما تكون قادرًا على البطش ثم تختار العدل. لا حين تستطيع الإقصاء فتقصي، بل حين تستطيع الإنصاف فتنصف.

المشكلة أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمجتمعات تدفع كثيرين إلى تبني منطق القسوة باعتباره وسيلة للنجاة. وحين يشتد الضغط على الناس، يصبح الغضب لغة يومية، ويتحول الاحتقان إلى سلوك عام. المواطن الغاضب من أعباء الحياة ينقل غضبه إلى من هم أضعف منه، والموظف المرهق يفرغه في المراجعين، والمسؤول المحاصر بالفشل يبحث عن شماعة يعلق عليها أخطاءه. وهكذا تدور دائرة القسوة من الأعلى إلى الأسفل، حتى يبدو المجتمع كله وكأنه فقد قدرته على التعاطف.

ولعل أخطر ما يحدث في مثل هذه الأوقات أن تتحول الإنسانية نفسها إلى عبء. أن يشعر الإنسان أن عليه أن يتخلى عن رحمته كي يواكب العصر، وأن يقسو كي يُحسب له حساب، وأن يرفع صوته كي يُسمع. بينما الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك بكثير. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الأزمات السياسية، بل تنهار أيضًا حين تفقد أخلاقها العامة، وحين يصبح التعامل بين الناس قائمًا على الخشونة والعداء وانعدام الثقة.

إن القوة التي نحتاجها اليوم ليست قوة القبضة المغلقة، بل قوة اليد التي تبني. ليست قوة التخويف، بل قوة الإقناع. ليست قوة الصراخ، بل قوة الفكرة. فالدول تُبنى بالعدل أكثر مما تُبنى بالقوة، والمجتمعات تتماسك بالرحمة أكثر مما تتماسك بالخوف.

في عالم يمتلئ بالضجيج، يصبح الهدوء شجاعة. وفي زمن تتسع فيه مساحات الكراهية، تصبح الرحمة موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا في آن واحد. وحين يستطيع الإنسان أن يبقى إنسانًا رغم قسوة الظروف، وأن يحافظ على توازنه وسط الفوضى، وأن يتمسك بالعدل وهو قادر على الظلم، فإنه لا يمارس فضيلة شخصية فحسب، بل يساهم في حماية ما تبقى من المعنى في هذا العالم المتعب.

لهذا ليست القوة صخبًا ولا قسوة كما يروج كثيرون. القوة الحقيقية أن تظل وفيًا لإنسانيتك حين تدعوك الظروف إلى التخلي عنها، وأن تظل رحيمًا حين تملك أسباب القسوة، وأن تظل ثابتًا دون استعراض، لأن الأمم في النهاية لا تتذكر من صرخ أكثر، بل تتذكر من كان أكثر عدلًا وإنسانية.

الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد في زمن الضجيج... تصبح الرحمة موقفًا سياسيًا الجارديان المصرية