حسين السمنودي يكتب : وما زال شلال الدم مستمرًا في غزة
في كل صباحٍ تشرق فيه الشمس على بقاع الأرض، تشرق في غزة على وجوهٍ أنهكها الحزن، وعلى أمهاتٍ ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وعلى أطفالٍ لم يعرفوا من الطفولة إلا صوت الانفجارات، ورائحة البارود، وألوان الدخان التي غطّت زرقة السماء. وما زال شلال الدم مستمرًا في غزة، وكأن العالم قد اعتاد رؤية الموت حتى فقد الإحساس به، أو كأن دماء الأبرياء أصبحت خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، لا يهز ضميرًا ولا يوقظ إنسانية.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة تتعرض للحرب، بل هي جرحٌ مفتوح في قلب الإنسانية، ومأساة تتكرر كل ساعة، وكل دقيقة، وكل لحظة. هناك، لا ينام الأطفال على حكايات الجدات، بل على أصوات الطائرات، ولا يستيقظون على زقزقة العصافير، بل على هدير الصواريخ وانهيار البيوت فوق رؤوس أصحابها.
أي ذنبٍ اقترفه ذلك الطفل الذي خرج يبحث عن قطعة خبز فعاد ملفوفًا بكفنٍ أبيض؟ وأي خطيئة ارتكبتها تلك الأم التي كانت تحلم بأن تزف ابنتها إلى بيت الزوجية، فإذا بها تزفها إلى مثواها الأخير؟ وأي عدالة تلك التي تسمح بأن تتحول المدارس إلى أنقاض، والمستشفيات إلى ساحاتٍ للموت، ومخيمات النازحين إلى أهدافٍ لا تعرف الرحمة؟
لقد أصبحت الحياة في غزة معركة يومية من أجل البقاء. الماء شحيح، والغذاء قليل، والدواء يكاد ينعدم، والكهرباء حلم بعيد، أما الأمان فقد أصبح كلمة لا يعرف معناها من ولدوا تحت أزيز الطائرات. هناك شعبٌ كامل يعيش بين ركام المنازل، يحصي أسماء الشهداء بدل أن يحصي أيام العمر، ويجمع أشلاء أحبته بدل أن يجمع ثمار جهده.
وليس الألم في عدد الضحايا وحده، بل في ذلك الصمت الذي يلف العالم. صمتٌ يقتل كما تقتل القذائف، ويخذل كما تخذل المواقف الباردة. إن الإنسانية التي تتغنى بحقوق الإنسان تبدو عاجزة أمام مشهد طفلٍ يحتضن جسد شقيقه، أو أبٍ يحمل أبناءه الأربعة وقد فارقتهم الحياة في لحظة واحدة، أو أمٍ تنادي أسماء أطفالها تحت الأنقاض فلا يجيبها سوى الصمت.
ومع كل قطرة دم تسقط على أرض غزة، يسقط جزءٌ من ضمير العالم. فالقضية لم تعد أرقامًا وإحصاءات، بل أصبحت حكاياتٍ لعائلاتٍ انتهت، وأحلامٍ دُفنت، وقلوبٍ انكسرت، ووجوهٍ كانت تبتسم بالأمس فأصبحت اليوم صورًا معلقة على الجدران.
ورغم هذا الألم الذي يعجز القلم عن وصفه، يبقى أهل غزة واقفين كالجبل، يحملون إيمانهم بالله فوق أكتافهم، ويستمدون من صبرهم قوةً تعجز عن فهمها كل معايير الدنيا. يعلمون أن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجر، وأن الظلم مهما اشتد فلن يدوم، وأن الدم الطاهر لا يضيع عند الله، وأن دعوات الأمهات المكلومات تصعد إلى السماء حيث العدل الإلهي الذي لا يغفل ولا ينام.
إن غزة لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن امتيازٍ على أحد، وإنما تطلب حق الإنسان في أن يعيش آمنًا، وأن يربي أبناءه بعيدًا عن الخوف، وأن يذهب الطفل إلى مدرسته لا إلى المقبرة، وأن يكون للمستشفى دوره في العلاج لا في استقبال أفواج الشهداء.
وما زال شلال الدم مستمرًا في غزة... وما زالت القلوب تنزف قبل الأجساد، وما زالت الدموع تعجز عن وصف حجم الفاجعة، وما زال التاريخ يسجل كل لحظة، وكل شهيد، وكل صرخة، وكل بيتٍ تهدم، وكل أمٍ فقدت أبناءها، وكل طفلٍ رحل قبل أن يعرف معنى الحياة.
وسيأتي يومٌ يقف فيه التاريخ شاهدًا على هذه المأساة، ويُسأل فيه الجميع: ماذا فعلتم حين كانت غزة تنزف؟ هل اكتفيتم بالمشاهدة؟ أم نصرتم الحق بكلمةٍ أو موقفٍ أو دعاء؟ فالأمم تُعرف بمواقفها، والإنسانية تُقاس بقدرتها على حماية الضعفاء، لا بالصمت أمام مأساتهم.
وفي الختام، تبقى غزة جرحًا مفتوحًا في ضمير العالم، ونداءً لا يخفت يذكّر الإنسانية بما ينبغي أن تكون عليه من رحمةٍ وعدلٍ ونصرةٍ للمظلوم. هناك، ما زالت الأمهات ينتظرن خبرًا يطمئن القلوب، وما زال الآباء يفتشون بين الركام عن بقايا حياة، وما زالت الطفولة تدفع ثمن حربٍ لم تعرف لها سببًا سوى القسوة والخذلان. وفي كل بيتٍ مهدّم، وكل شارعٍ صامت، وكل عينٍ أنهكها البكاء، شهادةٌ على مأساةٍ لا يجوز أن تمرّ دون موقفٍ أو ضمير.
إن ما يحدث في غزة ليس مجرد خبرٍ عابر، بل امتحانٌ حقيقيٌّ لإنسانية العالم، ومرآةٌ تكشف مقدار ما أصاب الضمائر من ضعفٍ وتقصير. وسيبقى صمود أهلها، رغم الألم والجراح، علامةً فارقةً على أن الحق لا يموت، وأن الأمل قد يتأخر لكنه لا ينطفئ. نسأل الله أن يرحم شهداء غزة، ويشفي جرحاها، ويجبر كسر قلوب أهلها، وأن يكتب لها فرجًا قريبًا ونصرًا عزيزًا، وأن يجعل من هذا الليل الطويل فجرًا يليق بتضحياتهم وصبرهم.












ضبط سيدة عذبت طفلها حتى الموت بمساعدة عشيقها في حلوان
مصرع فتاه وإصابة 4 في حادث تصادم سيارتين ملاكي بالمنصورة
كارثة إنسانية ...اب يتحرش بابنته أمام زوجها في الصف...!!
ضبط 9 رجال و سيدات يستغلون 11 حدثا فى أعمال التسول بالقاهرة
أسعار الذهب في مصر اليوم السبت 27 يونيو 2026
إرتفاع أسعار الذهب اليوم الجمعة 26-6-2026 فى محلات الصاغة
اسعار الذهب اليوم الأربعاء في محلات الصاغة
أسعار الدواجن اليوم الأحد 21 يونيو 2026