الإثنين 29 يونيو 2026 05:50 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودي يكتب : يا مصر... بتعمليها إزاي؟!

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

يا مصر... بتعمليها إزاي؟ كيف أصبحت مقاطع الاعتداء على النساء تتصدر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الشكل الموجع؟ وكيف وصل بنا الحال إلى أن نشاهد كل يوم تقريبًا فيديو جديدًا لامرأة تُهان أو تُضرب أو تُسحل أمام المارة، بينما يقف البعض متفرجًا، ويكتفي آخرون بالتصوير بدلًا من التدخل؟
المؤلم ليس فقط وقوع هذه الوقائع، فالعنف الأسري والمجتمعي موجود بدرجات متفاوتة في كل المجتمعات، لكن الأكثر إيلامًا أن تتحول هذه المشاهد إلى ظاهرة متكررة على الشاشات، وكأنها أصبحت أمرًا عاديًا، بينما هي في حقيقتها أمر دخيل على أخلاق المصريين وتقاليدهم.
لقد عُرف المجتمع المصري عبر تاريخه باحترام المرأة؛ الأم والأخت والزوجة والابنة. كانت المرأة المصرية تحظى بمكانة خاصة داخل الأسرة والشارع، وكان الاعتداء عليها علنًا يُعد عارًا اجتماعيًا قبل أن يكون جريمة يعاقب عليها القانون. أما اليوم، فإن انتشار الهواتف المحمولة ومنصات التواصل جعل أي واقعة تنتشر خلال دقائق، وهو ما قد يخلق انطباعًا بأن هذه الأفعال أصبحت أكثر شيوعًا، حتى وإن كانت لا تمثل غالبية المجتمع.
ولا يجوز أن نعمم فنختزل شعبًا يزيد على مئة مليون إنسان في تصرفات قلة لا تمثل قيمه ولا أخلاقه. فهناك آلاف الأسر المصرية التي تقوم على الاحترام والمودة، وملايين الرجال الذين يرون في حماية المرأة واجبًا وشرفًا، لكن الوقائع الصادمة بطبيعتها تحظى باهتمام وانتشار يفوق بكثير الحياة اليومية الهادئة.
ويبقى السؤال: لماذا تتكرر هذه المشاهد؟
هناك أسباب عديدة؛ منها تراجع الوعي لدى البعض، وضعف القدرة على ضبط النفس، وتأثير بعض المحتويات التي تمجد العنف، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والنفسية التي لا تبرر الاعتداء بأي حال، لكنها قد تسهم في زيادة التوتر داخل بعض البيوت. كما أن تصوير الوقائع ونشرها بهدف تحقيق المشاهدات قد يجعل المأساة تتحول إلى مادة للانتشار بدلًا من أن تكون دافعًا للإبلاغ والمحاسبة.
إن المرأة ليست الحلقة الأضعف، بل هي عماد الأسرة، وإذا انكسرت داخل بيتها انكسر معها البيت كله. فلا يمكن أن تُبنى أمة قوية بينما تُهان الأم أو الزوجة أو الابنة، لأن احترام المرأة ليس شعارًا، بل معيار حقيقي لمدى رقي المجتمع.
وربما يكون السؤال الأصعب الذي يجب أن نواجه به أنفسنا اليوم ليس: لماذا انتشرت فيديوهات ضرب النساء؟ بل: كيف سمحنا بأن تصبح هذه المشاهد مألوفة إلى هذا الحد؟ فحين يتكرر المشهد، لا يكون الخطر في الجريمة وحدها، وإنما في اعتياد المجتمع عليها، وفي فقدان الإحساس بفظاعتها. إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يتبلد وجدانه، وأن يتحول الألم إلى خبر عابر، والاعتداء إلى مقطع فيديو يجمع آلاف التعليقات والمشاهدات، ثم يطويه النسيان حتى تأتي الواقعة التالية.
ولا شك أن لهذه الظاهرة أسبابًا متشابكة لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فمنها تراجع دور التربية داخل بعض الأسر، حيث لم يعد كثير من الأبناء يتعلمون منذ الصغر أن المرأة لها حرمة وكرامة لا يجوز المساس بها. ومنها أيضًا ضعف الحوار الأسري، وانتشار العصبية والانفعال، حتى أصبح بعض الناس يلجأ إلى القوة بدلًا من الكلمة، وإلى الإهانة بدلًا من الاحتواء.
كما أن الضغوط الاقتصادية والنفسية التي يعيشها كثيرون قد تؤدي إلى زيادة التوتر داخل بعض البيوت، لكنها لا تصلح أبدًا مبررًا للعنف، لأن الأخلاق تُختبر في أوقات الشدة قبل الرخاء. وهناك أيضًا التأثير السلبي لبعض المحتويات المنتشرة على مواقع التواصل، والتي تُطبع مع العنف أو تقدمه بصورة ساخرة أو اعتيادية، إلى جانب سعي البعض وراء الشهرة السريعة بتصوير الوقائع ونشرها بدلًا من التدخل لإنقاذ الضحية أو إبلاغ الجهات المختصة.
ولا يمكن أن نغفل أن غياب القدوة في بعض البيوت، وضعف الوعي الديني والأخلاقي، وتراجع ثقافة الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة، كلها عوامل تفتح الباب أمام تصرفات لم يكن المجتمع المصري يعرفها بهذا الشكل من قبل. فالمجتمع الذي كان يفاخر بالشهامة والنخوة لا يليق به أن يرى امرأة تُهان في الطريق أو داخل منزلها، ثم يمر المشهد وكأنه أمر طبيعي.
أما العلاج، فلا يبدأ من صفحات مواقع التواصل، بل يبدأ من داخل كل بيت. يبدأ حين يربي الأب أبناءه على احترام الأم قبل أي امرأة أخرى، وحين تغرس الأم في أبنائها معنى الرحمة وضبط النفس. ويبدأ أيضًا من المدرسة التي يجب أن تعيد بناء منظومة القيم، ومن المؤسسات الدينية التي يقع على عاتقها تصحيح المفاهيم المغلوطة، ومن الإعلام الذي ينبغي أن يقدم نماذج إيجابية بدلًا من تحويل العنف إلى مادة للإثارة والانتشار.
كما أن تطبيق القانون بحزم وسرعة على كل من يعتدي على امرأة يمثل رسالة واضحة بأن المجتمع لا يتسامح مع هذا السلوك، وأن كرامة الإنسان خط أحمر لا يجوز تجاوزه. فالقانون العادل الرادع، إلى جانب التربية السليمة والوعي المجتمعي، هو الطريق الحقيقي للحد من هذه الظاهرة.
إن مصر التي علمت الدنيا الحضارة، وأنجبت أمهات ربين أجيالًا صنعت التاريخ، لا يمكن أن تقبل بأن تُهان المرأة على أرضها. وما نراه اليوم يجب أن يكون جرس إنذار يدفع الجميع إلى مراجعة أنفسهم، لا إلى اليأس من المجتمع. فما زالت قيم الشهامة والمروءة والرحمة حية في وجدان ملايين المصريين، لكنها تحتاج إلى من يعيد إحياءها بالفعل لا بالشعارات.
فلنجعل من كل بيت مدرسة للأخلاق، ومن كل شارع ساحة لاحترام الإنسان، ومن كل كلمة ننطق بها دعوة إلى الرحمة لا إلى العنف. عندها فقط ستختفي هذه المشاهد المؤلمة، ويعود المجتمع المصري كما عرفه العالم دائمًا... مجتمعًا يحمي المرأة، ويصون كرامتها، ويؤمن أن نهضة الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من عمران، وإنما بما تحفظه من إنسانية وكرامة.

حسين السمنودي يا مصر... بتعمليها إزاي؟! الجارديان المصريه