الإثنين 20 يوليو 2026 09:10 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتبة هدى حجاجى تكتب: الرقص على السُّلَّم السياسي

الجارديان المصرية

بين المراوغة والنجاة في زمن الأقنعة

"لكي تُواجهَ عقلًا ماكرًا، لا بدَّ أن تُجيدَ المراوغة."

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى دعوة إلى الالتفاف أو التلاعب، لكنها في عالم السياسة تكاد تكون وصفًا دقيقًا لقواعد اللعبة. فهناك حيث تتشابك المصالح، وتتعدد الوجوه، وتختلط الشعارات بالحسابات الخفية، لا تسير الأمور بخطوط مستقيمة كما يتخيل البسطاء، بل بمنعطفات حادة ومسارات ملتوية تشبه رقصة طويلة فوق سُلَّم لا يستقر.

كل شيء في المراوغة يلفت الانتباه؛ فهي ليست دائمًا كذبًا، وليست دائمًا خيانة للمبادئ. أحيانًا تكون وسيلة للبقاء، وأحيانًا أخرى تتحول إلى أداة للهيمنة والسيطرة. وفي السياسة تحديدًا، يصبح الفارق بين الدهاء والخداع رفيعًا إلى درجة يصعب معها التمييز بينهما.

السياسي المحنك لا يقول كل ما يعرف، ولا يُظهر كل ما ينوي فعله. يبتسم لخصومه أحيانًا أكثر مما يبتسم لأصدقائه، ويصافح من يختلف معهم بينما يخطط لتجاوزهم. إنه يدرك أن المعارك لا تُحسم دائمًا بالقوة، بل بالقدرة على قراءة العقول قبل قراءة الوقائع.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المراوغة من وسيلة إلى منهج حياة. حين يصبح الصدق سذاجة، والوضوح تهمة، والثبات على الموقف نوعًا من الانتحار السياسي. عندها يفقد الناس ثقتهم في الكلمات، لأنهم اعتادوا أن يسمعوا شيئًا ويروا نقيضه.

كم من زعيمٍ رفع راية الفقراء ثم جلس على موائد الأثرياء؟ وكم من مسؤولٍ تحدث عن الشفافية وهو يحيط نفسه بجدران من الغموض؟ وكم من حزبٍ صرخ باسم الوطن، بينما كان الوطن آخر ما يفكر فيه؟

إن أخطر ما في الرقص على السُّلَّم السياسي أن الراقص يعتاد الحركة حتى ينسى وجهته. يظل يصعد ويهبط، يناور ويهادن، يعقد الصفقات ويكسرها، حتى يصبح الهدف هو البقاء على السُّلَّم نفسه، لا الوصول إلى قمته.

وفي مجتمعاتنا العربية، كثيرًا ما دفع المواطن ثمن هذه الرقصة. فبين الوعود الانتخابية والخطب الحماسية والبرامج اللامعة، يقف الناس منتظرين ثمارًا لا تأتي. يتغير الراقصون، لكن الموسيقى تبقى ذاتها، وتظل القضايا الحقيقية معلقة بين تصريح وتصريح.

ومع ذلك، لا يمكن إدارة السياسة بمنطق العاطفة وحدها. فالعالم ليس ساحة للملائكة، والدول لا تُدار بالأمنيات. تحتاج السياسة إلى الحكمة، وإلى قدر من المرونة، وإلى القدرة على التفاوض وتجنب الصدامات غير الضرورية. لكن الحكمة شيء، والتلون شيء آخر.

فالسياسي الحقيقي هو من يعرف متى يناور دون أن يفقد مبادئه، ومتى يتراجع خطوة ليحمي وطنًا لا ليحمي كرسيًا، ومتى يصمت لأن الصمت حكمة، لا لأنه يخفي صفقة جديدة.

إن الشعوب قد تغفر الخطأ، لكنها لا تغفر الاستهانة بوعيها. ومع تطور وسائل الإعلام وتدفق المعلومات، أصبح كشف الأقنعة أسرع مما كان عليه في الماضي. لم يعد من السهل أن يرقص أحد طويلًا فوق السُّلَّم دون أن يلاحظ الناس اتجاه خطواته.

وفي النهاية، تبقى المراوغة فنًا خطيرًا؛ قد تنقذ صاحبها من السقوط، وقد تكون هي نفسها سبب سقوطه. أما السياسة التي تنسى الإنسان وتتحول إلى مجرد لعبة مهارات ومناورات، فهي أشبه برقصة جميلة على حافة هاوية.

فليس المهم أن تُجيد الرقص على السُّلَّم السياسي، بل أن تعرف إلى أين يقودك هذا السُّلَّم، ومن سيدفع ثمن كل خطوة تخطوها فوق درجاته.

هدى حجاجى الرقص على السُّلَّم السياسي الجارديان المصريه