الإثنين 20 يوليو 2026 03:10 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب: (الومضه 459﴾...دولاب امها القديم

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

ذات مره عادت البنوته من الجامعه تحمل في حقيبتها مفاجأه ساره لأمها ، لم تكن العطيه التي تحملها البنوته شيئا ماديا بل كانت قصائد شعريه مكتوبه تمتدح صفات إبنتها التي أحسنت تربيتها فارتقت روحها وتميزت عن زميلاتها من طالبات الجامعه ، والحقيقه ان المحب الولهان لم يكن بمقدوره ان يرسل لمن أحبها من النظره الاولي جوابات يعبر فيها عن مشاعره الحقيقه وإحساسه المرهف تجاهها فسجل ذلك في قصائد شعريه تمتدح الفتاه وصفاتها ومن آن لآخر يستعرض نفسه في القصيده علها تري صورته من خلف السطور بعدما تنتهي من القراءه .
في ركن بعيد هادئ عن صخب رفاق الجامعه جلس الاثنان الي طاوله عليها بعض الورود ثم اخرج المحب الولهان جميع قصائده وطلب منها الاستماع جيدا ثم طفق يقرأ، انبهرت الفتاه بذلك الاسلوب الشعري المذهل لشاب صغير السن ولكنه اتي بالبلاغه والفصاحه كلها في قصائده بينما هي لاتُحسن التعبير ، بعد الانبهار والاستماع كانت من الجرأه أن تطلب منه قصائده لتسمعها لامها المنفتحه التي تحب قرض الشعر وسماعه ، وبالفعل لم يجد الشاب المحب غضاضه في ذلك وسمح لها بالاقتناء وحَمْل الهديه لأمها ،.
في البيت الكبير المطل علي النهر الخالد أخرجت البنوته من حقيبتها اوراق الشعر فتلقفتها الام بشغف وبدأت تقرأ الكلمات المغلفه بالمخمل والحرير ، ولما انتهت لم تظهر الام لإبنتها أي تفاعلا بل سارت الهوينا نحو دولاب قديم تضع فيه قصائد الفتي بعدما علمت انه متيم بأبنتها هكذا تحمل السطور بين طياتها كثير من الكنايات الذكيه والسجع والاطناب وترادف الكلمات ، استغربت البنوته من تصرف الام ولكنها لم تدرك الاسباب ، اما السبب كان واضحا جليا في مخيلة الام ، كيف لإبن الحاره ان يعيش قصة حب مع ابنتها بنت القصور .
كان اغلاق الدولاب القديم علي قصائد بن الحاره بمثابة أمر جدي لعدم تعامل ابنتها مع صديق الجامعه نهائيا ، ولكن البنت لما عرفت صدق المحب أوهمت الام بقطع العلاقه ولكنها علي الجانب الاخر عاشت اجمل سنوات عمرها عندما تلقاه ويلقاها في الجامعه ،وبعد ماواجها الحياه العمليه بعد التخرج افترقا ،ولكن كان عزائها الوحيد للتغلب علي ألم الفراق هو وجود قلبها " القصائد" موصدا عليه داخل دولاب امها القديم التي لاتستطيع منه اقترابا، وكلما تقدم لخطبتها أحد تذكرت ان قلبها محبوس في دولاب امها القديم فترفض العريس رفضا قاطعا ، حتي تحسرت امها علي سجن دليل العشاق القديم في دولاب من الخشب ، وفي إحدي الايام أخلت البنوته بالعقد المضروب بينها وبين امها وإتجهت الي الدولاب لاستعادة قلبها المسلوب منذ زمن ، انفرطت رزمة الاوراق الشعريه علي الارض فاهتز قلبها بشده واتجفت يديها وهي تتلقف احدي الاوراق المنفرط عقدها ، وبدأت ترتعش وهي تجول بعينيها بين السطور، تلكم العيون التي من اجلها كتب المحب فيها قصائده، فماذا قرأت ، قرأت فيها عن القصور التي شيدها حبيبها لها علي الاوراق والتي في كل بيت موزون فرش لها ركنا بها ، بعد شطرين من قرأءه القصيده انسابت دموعها انهارا،لم تكن دموعها دموع ألم بقدرما كانت دموع ندم ، ندم علي الكلام الذي هز مشاعرها منذ سنوات وكانت فرصتها عظيمه لنيل حب صادق اطاحت به امها بعيدا عنها ، والان تطلب منها الارتباط بأي شخص كي تُرزق منه اولادا !!اخطأت الام عندما حجرت علي مشاعر إبنتها ، حتي لوحسبت كلامه لإبنتها وهما.. فهذا افضل وهم صادف ابنتها ، وحسبته كذبا فهذا أجمل كذبه عاشتها ، الذي شفي غليل البنوته وهي تتناول القصائد بالقراءه انها لم تندم علي سنوات الهناء الخمس التي عاشتها مع كاتب القصائد، بعدها سريعا جففت دموعها وارتسمت علي شفتيها ابتسامه عريضه ولسان حالها يقول ، ماتهمنيش النار مدام النار دي جَنةْ كام سنه انا شفتهم ، لم تكن كلماته حبر علي ورق يسهل التخلص منها بالحريق ، ولكنها كلمات كتبت بمداد الدم فإكتسبت نوعا من روح التكريم وهذا الذي ابقاها ويبقيها ، لذا قررت الا تتخلص منها أبدا ، وأرادت الاحتفاظ بها الي الابد، وكلما جرفها الحنين الي الماضي وقبل ان تذبل وردة مشاعرها، تخرج قصائده من الدولاب القديم ، وتجلسها فوق طاوله بها كرسيه الخالي ، ثم تتحلي بثياب الجامعه التي أهملتها طويلا ولكنها الان فرحت به فصارت ترقص علي سجع القوافي في القصائد وهي تلقاه علي جانب الطاوله المقابل تستدعيه وفي كل مره كان لايخلف لها ميعاد.

علاء عبدالعزيز الومضه 459 دولاب امها القديم الجارديان المصريه