الثلاثاء 21 يوليو 2026 04:31 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عمرو النعماني يكتب : بداخل كل مؤسسة مريض نفسي

الكاتب الكبير عمرو النعمانى
الكاتب الكبير عمرو النعمانى

هناك صنف من المسؤولين يخلطون بغباء شديد بين القيادة والسيطرة، وبين الحزم والإهانة، وبين قوة الشخصية وإرهاب المرؤوسين ، يظنون واهمين أن القائد الحقيقي هو الذي يخشاه الجميع، وأن المسؤول الناجح هو الذي لا يجرؤ أحد على مخالفته أو الاقتراب من دائرة قراراته
والحقيقة المرة التي نراها رأي العين في كثير من مؤسساتنا، أن الأمر يكون عكس ذلك تماما ، المسؤول الذي يملك ثقة حقيقية في نفسه لا يخشى أبدا من يعملون معه ، لا ينزعج من أصحاب الرأي المخالف، ولا يشعر بالتهديد أمام شخص ناجح أو صاحب حضور طاغٍ

أما ذلك المسؤول الرعديد الذي يسارع إلى إقصاء كل من يختلف معه، وإبعاد كل من يملك شخصية مستقلة وإهانة من كانوا إلى جواره، فهو لا يحارب الآخرين كما يظن؛ بل يحاول يائسا الدفاع عن نقص حاد ينهش داخله ، إن هذا الصنف من أشباه القادة لا يريد فريقا قويا ، لأنه يخشى بكل بساطة أن يظهر ضعفه وهشاشته بينهم ، لا يريد أشخاصا أذكياء، لأن الذكي قد يكتشف عوراته وما يحاول إخفاءه من جهل أو قلة حيلة ، لا يريد من يناقشه، لأن النقاش العقلاني كفيل بأن يكشف للعلن أنه ليس دائما على صواب ، لذلك تجده يبدأ فورا في صناعة عالم معزول لا يوجد فيه إلا المنافقون والمطبلون، ومن يوافقه ويصفق له ويبرر أخطاءه الكارثية

ثم يظن في قمة نشوته الزائفة أن إهانة أحد رجاله أمام الآخرين انتصار ساحق، وأن استبعاد شخص ناجح دليل على أنه صاحب القرار الأوحد، وأن كسر نفس إنسان شريف عمل معه طويلا سيمنحه هيبة أكبر في قلوب البقية ، لكن غباءه يعميه عن إدراك أن الناس تفرق جيدا بين الهيبة الحقيقية والخوف المصنوع ، يفرقون بين الاحترام الصادق والمجاملة الرخيصة، وبين القائد الحقيقي والشخص المأزوم الذي يستمد شعوره بالقوة من إضعاف الآخرين وكسر شوكتهم ، فالقائد الحقيقي لا يحتاج أبدا إلى تحطيم رجاله حتى يثبت أنه الأقوى ؛ بل هو الذي يرفع من حوله ويحتوي اختلافهم، ويعرف يقينا أن نجاح أي عضو في فريقه هو إضافة لنجاحه الشخصي ، أما ذلك الذي لا يشعر بقيمته إلا عندما يستبعد ويهين ويقصي، فهو لا يقود مجموعة ولا يدير مؤسسة، بل يدير معركة بائسة ومستمرة مع عقده ونقصه وخوفه المرضي من أن يكتشف الآخرون حقيقته العارية

وفي النهاية قد ينجح هذا النوع من المسؤولين بنفوذه وبطشه في فرض نفسه على فريق العمل ، لكنه لن ينجح أبدا في صناعة الاحترام ، لأن الاحترام قيمة تُكتسب ولا تُنتزع بالقوة ، ومن يحتاج إلى إهانة الآخرين كي يشعر بأنه كبير، يُعلن للعالم دون أن يدري أن بداخله كائن صغير يشعره دائما بأنه قزم أمام المتميزين ...

عمرو النعماني بداخل كل مؤسسة مريض نفسي الجارديان المصريه