الثلاثاء 21 يوليو 2026 09:06 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب: تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (15)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

لقد أبحرت كثيرا في الجزء الأول من قوله تعالى"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم" محور هذه المقالات المتواضعة ، ولم أستطع أن أصل إلى الجزء الثانى منها ، لما تحمله من عطاءات ربّانية ، وكنوز نورانيةكثيرة لا تقدر بثمن ، وفي المقالات السابقة كانت عبارة عن إشارات سريعة لحال العرب قبل الإسلام ، وبعض مما واجهه الرسول ﷺ من تحديات جسيمة ، والتي لا يستطيع أحد أن يتحملها ، أو يعالج أمراضها ، وأوبئتها المنتشرة كالنار على الهشيم لدىالمجتمع العربىّ آنذاك ، كما لا يستطيع أحد أن يتحمّل ما تحمّله الرسول ﷺ من حروب شرسة سواء أكانت هذه الحروب باردة ، أو ساخنة عنيفة من قبيلته ، وعشيرته، بل وكانت من أقرب الناس إليه ! فقد كان عمه أبو لهب ، وزوجته أم جميل يعملان على قدم ، وساق لإيذاء الرسول ﷺ ليعيقا دعوته المباركة ، حتى يوقفا قطارها
السريع ، ولكنهما فاشلين بامتياز ، لأن الشمس لا يستطيع أحد أن يحجب ضوءها ، ولا القمر أن يمنع نوره ! فانتشر الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية
بسرعة البرق ، واستنشق الناس رياحين التقدم ، ونسمات حسن الخلق ، ودحض أبو لهب ، وزوجته ، ودحضت آراؤهما العفنة ، واللا منطقية ، واللا
أخلاقية ، ولذا يقول تعالى عنهما"تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبّ * مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ
وَمَا كَسَب *سَيَصۡلَىٰ نَارا ذَاتَ لَهَبٖ *وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَب * فِي جِيدِهَا حَبۡلٞ مِّن مَّسَدِ" فها هو أبو جهل ، وأم جميل ، وتلك الثلة من صناديد قريش ،
أصبحوا نسيا منسيا ،ولم يذكروا إلا بسوء ما فعلوه ، وما اقترفوه .. أما
الإسلام ، فهو دين متحضر ، وعصرىّ ، فإنه يجذب العقول قبل الأعين ،ويسمو
بالتفكير المنطقىّ ، ويطرح ، السذاجة ، والسطحية على الأرض ، ولا يلقى
لهما بالا ، لأنهم يعلون الخيال على الواقع ، ويستحوذ الجهل على العقل من جميع جوانبه الأربعة ، وكأنه محاصر حصارا شديدا ، برّا ،وبحرا ، وجوّا .. حينها لا يستطيع ذلك الشخص أن يتحكم في أقواله ، ولا في أفعاله ! لأن الجهل
هو الذى يطل برأسه ، ويقول كلمته "كلمة الفصل" ويحكم على الأشياء دون أن
يسمع ، كلمة الحق لما يقوله الرسول ﷺ لدعوته الكريمة ،وأدبياته المتحضرة !
إنها حقا لمآساة كبرى .. لأن الرسول ﷺ لا يقول كلاما غثّا لا معنى له ، ولا قيمة له ، بل أن جميع أحاديثه ﷺ ذات قيمة ، ولا تقدر بثمن ، بالإضافة أنها منطقية ،وواقعية ، بل يحتاجها كل إنسان في عصرنا هذا ، واقرأ إن شئت نموذجا من
أقواله ﷺ حيث قال "أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ ، تَكشِفُ عنه كُربةً ، أو تقضِي عنه دَيْنًا ، أو تَطرُدُ عنه جوعًا ، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ ، أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجد ِشهرا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه ، ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا ، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له ، ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدام" حقا إنها كلمات توزن بميزان الذهب ، ويجب أن تكتب في الصفحات الأولى فى الجرائد ،
والمواقع الإخبارية بحروف من نور ، بل وتترجم بجميع اللغات ، حتى يعلم
القاصى ، والدانى ، والعالم بأسره ذلكم الخلق الرشيد ، والفهم الحقيقى للإسلام ،ثم أطرح سؤالا : ما ذلكم القلب الذى يسع الناس جميعا "مؤمنه ، وغير مؤمنه ، ذكره ، وأنثاه ، أبيضه ، وأسوده كى ينفعهم ﷺ بخدماته ؟ ! ثم أعطى ﷺ بعض
النماذج لتلك الخدمات على سبيل المثال لا الحصر ، فقد تكون وقوفا بجانب
الشخص ، أيّا كان في أزماته ،وضيقه ، أو سداد دينه حين يتعسّر عن أدائه ،أو تعطى له طعاما ، أو شرابا إن كان فقيرا ، وأن يتحمّل ﷺ سوءا قد خرج منه، وغيرها من مواقف الشرف ، والإيجابية ، فذلك أفضل من أن يعتكف الرسول
ﷺ شهرا كاملا في مسجد النبوىّ الشريف ، نعم هذه هي أحب الأعمال إلى الله، وليست تلك الخدمات عرضا "لأوكازيون" مصطنعا كما تفعله بعض الشركات
، بل هو دستور ، وخلق يجب أن يتخلّق به كل مسلم ليعمل به ، ويحتذى بحذوه ، وكأنه ﷺ يعيش بيننا ، ويبذر بذور السلام للعالم بأسره، بالرغم أنه ﷺ كان يعيش في حقبة تاريخية تبعد عن عصرنا هذا بأكثر من ألف وأربعمائة عاما ! .. ألا يتوقف كل أفّاك، ومتهوّر لسوء فهمهم السقيم لأحاديث الرسول ﷺ وخلقه الشريف ؟

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (15) الجارديان المصريه