د. نهال أحمد يوسف تكتب : الفنكوش
في الفيلم الشهير لعادل إمام، لم يكن «الفنكوش» منتجًا حقيقيًّا بقدر ما كان اسمًا لامعًا وُضعت حوله حملة ضخمة، حتى صدّق الناس أن وراء هذا الاسم شيئًا يستحق كل ذلك الضجيج. لم يسأل أحد في البداية: ما الفنكوش؟ ممَّ يتكوّن؟ وما قيمته؟ كان الاسم وحده كافيًا، وكانت الدعاية أكثر حضورًا من الحقيقة.
خرج الفنكوش من شاشة السينما، ثم تمدّد في حياتنا العامة. أصبح ظاهرة كاملة لها وجوه وألقاب ومنصات، ولها جمهور يصفّق أحيانًا قبل أن يفهم ما قيل. نراه في الثقافة والإعلام والفضاء الرقمي، عندما تصبح الصورة أكبر من صاحبها، واللقب أوسع من المعرفة، والحضور أكثر كثافة من المنجز.
فكم من شخص يتقدّم إلى الناس مسبوقًا بلقب «الدكتور» أو «الخبير» أو «المفكر»، ثم لا تسمع منه إلا عبارات عامة يمكن لأي شخص أن يقولها في جلسة عابرة. كلمات مصقولة، ونبرة واثقة، ومصطلحات تُلقى بلا سياق، لكنها تفتقر إلى الفكرة التي تُقلق العقل أو تضيف إلى المعرفة أو تفتح نافذة جديدة للفهم. ومع ذلك، تستمر الاستضافة، وتتكرّر الصور، وتُكتب العناوين الكبيرة، حتى يتحول الظهور المتواصل إلى شهادة كفاءة غير مكتوبة.
المشكلة هنا ليست في الألقاب العلمية، ولا في أن يتحدث المتخصص إلى الجمهور بلغة بسيطة. تبسيط المعرفة مهارة رفيعة لا يقدر عليها إلا من امتلكها فعلًا. إنما الأزمة تبدأ عندما يحل اللقب محل المعرفة، وتتحول البساطة إلى تسطيح، والثقة إلى ادعاء، وسهولة التعبير إلى استسهال للفكر نفسه.
فاللقب الأكاديمي لا يصنع مثقفًا بالضرورة، مثلما أن كثرة القراءة لا تصنع عقلًا نقديًّا بصورة آلية. المثقف الحقيقي ليس مستودعًا للمعلومات، ولا شخصًا يحفظ أسماء النظريات والمفكرين ويضعها في حديثه للزينة. إنه صاحب موقف معرفي وأخلاقي؛ يعرف حدود ما يعلم، ويملك شجاعة الاعتراف بما لا يعلم، ولا يتعامل مع الجمهور باعتباره كتلة قابلة للإبهار بأي كلام منمّق.
أما شبيه المثقف، فيعيش غالبًا على المسافة الفاصلة بين معرفة الجمهور المحدودة وسطوة لقبه. لا يقول ما يكفي لفحصه، ولا يصمت بما يكفي لانكشاف فراغه. يدور حول الفكرة من دون أن يدخل إليها، ويستخدم كلمات فضفاضة من نوع «الوعي» و«الهوية» و«التنوير» و«القوة الناعمة» و«بناء الإنسان»، ثم يغادر الحوار من دون أن يعرّف مفهومًا، أو يحلل ظاهرة، أو يقدم دليلًا، أو يقترح طريقًا يمكن السير فيه. إنه يبيع الشعور بالمعرفة بدلًا من المعرفة ذاتها.
ومن الإنصاف أن نقول إن «الفنكوش الثقافي» لا يصنع نفسه وحده. هناك منظومة كاملة تشارك في إنتاجه. بعض وسائل الإعلام لا تبحث عن أكثر الناس علمًا، وإنما عن الأكثر استعدادًا للظهور، والأسرع في الوصول، والأقدر على تحويل أي قضية إلى جملة مثيرة. المتخصص الحقيقي قد يتردد قبل الإجابة، ويطلب تحديد السؤال، ويفرّق بين المؤكد والمحتمل. أما الفنكوش، فلديه رأي فوري في التعليم والسياسة والفن والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والعلاقات الإنسانية، وربما في حالة الطقس أيضًا.
الإعلام السريع لا يحب التردد العلمي؛ لأنه يراه ضعفًا، مع أنه من علامات النزاهة. ولا يميل دائمًا إلى الإجابة المركّبة؛ لأنها لا تصلح لعنوان عاجل. لذلك تُمنح المساحات أحيانًا لمن يتحدثون كثيرًا، لا لمن يعرفون أكثر. ومع تكرار الظهور، تنقلب المعادلة: بدلًا من أن يظهر الشخص لأنه صاحب قيمة، تُفترض له القيمة لأنه كثير الظهور.
ثم جاءت منصات التواصل الاجتماعي لتمنح الظاهرة حياة جديدة. صار عدد المتابعين يُقدَّم بوصفه برهانًا على المعرفة، وأصبح انتشار المقطع أهم من سلامة الفكرة. والخوارزميات، بطبيعتها، لا تقيس العمق ولا تتحقق من المراجع؛ إنها تكافئ ما يلفت الانتباه ويبقي المستخدم أمام الشاشة. ولهذا يتقدم الصوت الأعلى، والموقف الأكثر حدة، والعبارة الأسهل تداولًا، بينما تحتاج الفكرة الجادة إلى زمن وصبر وسياق، وهي أشياء لا تحظى دائمًا بكرم المنصات.
وليس «الفنكوش» شخصًا فقط؛ قد يكون مؤتمرًا ضخم العنوان ضعيف المحتوى، أو مبادرة لا يتجاوز أثرها الصور التذكارية، أو كتابًا تحيط به الدعاية أكثر مما تسنده الفكرة، أو جائزة تُوزَّع حتى تفقد معناها، أو مؤسسة تمنح الصفات الكبيرة بلا معايير واضحة. إنه كل مساحة تتضخم فيها اللغة بينما ينكمش الفعل، وكل حالة يُستبدل فيها الإنجاز الحقيقي باستعراض الإنجاز.
والخطر لا يتوقف عند إزعاجنا بكلام فارغ. الأخطر أن استمرار هذه الظاهرة يفسد الذائقة العامة، ويشوّش معايير التمييز بين العالم والمتعالم، وبين المثقف ومستعرض الثقافة. حين تتساوى الأصوات، ويُقدَّم الرأي غير المؤسس بجوار المعرفة المتخصصة في المساحة نفسها وبالاحترام نفسه، يبدأ الجمهور في فقدان ثقته بالجميع. وقد يصل في النهاية إلى الاعتقاد بأن الثقافة مجرد كلام، وأن البحث العلمي مجموعة عبارات معقّدة، وأن الخبرة ليست سوى لقب طويل يوضع أسفل الاسم.
كما يظلم الفنكوش أصحاب المنجز الحقيقي. هناك باحثون ومبدعون يعملون لسنوات في صمت، يراجعون أفكارهم ويختبرونها، ويدفعون من أعمارهم ثمنًا لكتاب أو دراسة أو مشروع. هؤلاء قد لا يجيدون العلاقات العامة، ولا يمتلكون شبكة تضمن لهم الظهور المستمر. وفي المقابل، يستطيع آخر أن يختصر الطريق بصورة جيدة، وسيرة ذاتية منتفخة، وعدد من الجمل المحفوظة. هكذا لا نخسر عدالة توزيع الفرص وحدها؛ نخسر أيضًا إمكانية أن يصل الجمهور إلى العقول التي تستحق أن يسمعها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول نقد أشباه المثقفين إلى شكل آخر من أشكال التعالي. فالجمهور ليس مذنبًا لأنه انجذب إلى خطاب سهل، ولا كل شخص بسيط في لغته شخص سطحي. القضية ليست معركة بين نخبة تعرف وعامة لا تعرف. المطلوب هو إعادة بناء معايير الثقة، حتى يمتلك القارئ والمشاهد أدوات تساعده على السؤال: ما منجز هذا الشخص؟ هل يتحدث في مجال اختصاصه؟ هل يقدم دليلًا أم يكتفي بانطباعات؟ هل يشرح الفكرة أم يراوغ حولها؟ وهل يراجع نفسه عندما يخطئ؟
مواجهة الفنكوش تبدأ من الإعلام؛ بوضع معايير أكثر جدية لاختيار الضيوف، والتوقف عن إعادة تدوير الوجوه نفسها في كل القضايا، وإتاحة المساحة لأصحاب الخبرة الفعلية، حتى إن كانوا أقل صخبًا. كما تحتاج البرامج إلى إعداد حقيقي وأسئلة تكشف المعرفة بدلًا من الأسئلة التي تسمح للضيف بإلقاء خطبته المحفوظة. فالسؤال الجيد أحد أشكال حماية المجال العام.
وتبدأ كذلك من المؤسسات الأكاديمية والثقافية، حين تتوقف عن توزيع الألقاب والتكريمات بلا حساب، وتفصل بين المجاملة والتقييم، وبين العلاقات والمنجز. قيمة الشهادة لا تأتي من زخرفتها، وقيمة المؤتمر لا تُقاس بعدد الصور المنشورة عنه، وقيمة الباحث ليست في طول التعريف المكتوب تحت اسمه. المعيار الأكثر صدقًا سيظل دائمًا: ماذا أضاف؟
أما المنصات الرقمية، فمن الصعب مطالبتها بأن تتحول فجأة إلى أكاديميات للعلم، لكن يمكن لصنّاع المحتوى الجاد أن يتعلموا تقديم المعرفة بصورة جذابة من دون تفريغها من معناها. فالعمق لا يشترط الغموض، والفكرة الرصينة ليست مضطرة إلى ارتداء وجه عابس. نحن بحاجة إلى خطاب يجمع بين الدقة والحياة، وبين المعرفة والقدرة على الوصول.
ويبقى على المتلقي دور لا يقل أهمية: ألا يمنح ثقته للقب وحده، ولا يعتبر كثرة الظهور دليلًا على القيمة. من حقنا أن نسأل، وأن نتحقق، وأن نغيّر رأينا في الأشخاص حين لا نجد خلف الصورة مضمونًا. التصفيق السريع هو الوقود الذي يعيش عليه الفنكوش، أما السؤال الهادئ فيكشفه من دون ضجيج.
لسنا في حاجة إلى محاكم تفتيش ثقافية، ولا إلى قوائم نوزع من خلالها صكوك المعرفة والجهل. نحن فقط بحاجة إلى ميزان أكثر عدلًا، يعيد للكلمة مسؤوليتها، وللخبرة احترامها، وللإنجاز مكانته. فالمجتمع الذي يعتاد مكافأة الادعاء سيجد نفسه، بعد وقت، محاطًا بأسماء كبيرة وأفكار صغيرة؛ بشاشات ممتلئة وحياة عامة فارغة.
الفنكوش لا يعيش لأن صاحبه بارع في صناعته فقط، وإنما لأننا نتواطأ معه بالصمت والتكرار والانبهار. وربما يكون أول الطريق إلى مقاومته أن نستعيد سؤالًا بسيطًا، لا يحتاج إلى لقب ولا منصة ولا حملة دعائية:
ماذا يوجد حقًّا خلف كل هذا الكلام؟












العثور على جثمان سيدة مقتولة داخل شقة بالإسكندرية..
مصرع 5 عناصر خطرة بالقليوبية وضبط طن وربع مخدرات
ضبط فتاة رقصت بأسلحة بيضاء على مواقع التواصل فى البحيرة
حجز استئناف رجل أعمال على حبسه 3 أشهر في واقعة مطاردة نجلي...
أسعار الدولار رسميا في مصر اليوم السبت
سعر الذهب اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 في محلات الصاغة..
سعر الذهب في نهاية تعاملات الأربعاء 15 يونيو 2026..
أسعار الفراخ والبانيه اليوم الأربعاء بالأسواق